الصيدلية الأدوية

في كل مرة يموت فيها طبيب مثير للجدل، أو يظهر علاج جديد، أو تنتشر فضيحة صحية، يخرج من بين رماد الغضب خطاب جاهز: شركات الأدوية شريرة، بيغ فارما تتحكم في العالم، ومن يهدد أرباحها يتم إسكاتُه أو قتله.

في ظل وفاة الدكتور ضياء العوضي عادت إلى الواجهة نظرية بيغ فارما التي يزعم أنصارها أن شركات الأدوية شريرة وتحارب أي شخص يهدد مصالحها وقد تكون وراء وفاة الدكتور المصري المثير للجدل.

وفي هذا المقال نجيب على أسئلتك بأعلى مصداقية ممكنة ولك حرية البحث واجراء المزيد من الأبحاث حول هذا الموضوع.

ما هي نظرية بيغ فارما؟

مصطلح بيغ فارما أو Big Pharma يُستخدم للإشارة إلى شركات الأدوية العملاقة التي تملك نفوذًا اقتصاديًا هائلًا في تصنيع الأدوية واللقاحات والعلاجات الجديدة.

وفي المعنى النقدي المقبول، يشير المصطلح إلى مشكلات حقيقية داخل قطاع الدواء: الأسعار المرتفعة، الضغط السياسي، تسويق بعض الأدوية بقسوة، حماية براءات الاختراع، ومحاولة تعظيم الأرباح في سوق يتعلق مباشرة بحياة البشر.

لكن نظرية المؤامرة تأخذ هذا النقد المشروع وتحوّله إلى خرافة كاملة، بدل أن تقول إن شركات الأدوية مؤسسات ربحية تحتاج إلى رقابة صارمة، تقول إن هذه الشركات «تخفي علاج السرطان»، و«تنشر الأمراض»، و«تقتل الأطباء المعارضين»، و«تمنع العلاج الطبيعي الرخيص»، و«تسيطر على كل الحكومات والأطباء والجامعات والمجلات العلمية».

تدعي نظريات المؤامرة أن هناك علاجات لكل الأمراض تخفيها هذه الشركات لأنه ليس من مصلحتها أن تقضي على الأمراض بل تريد تقديم أدوية يستخدمها المريض لبقية حياته وبالتالي استنزاف جيبه.

ويؤمن أتباع هذه النظرية بأن الطب التقليدي أكثر فاعلية وقادرا على معالجة السرطانات رغم أنه الطب السائد لعصور ساد فيها الطاعون والسرطانات والأوبئة القاتلة التي كانت تهلك الملايين سنويا.

صناعة الأدوية الأمريكية محرك عالمي للابتكار

واقعيا تتصدر الولايات المتحدة العالم في مجال البحوث السريرية والابتكار في الرعاية الصحية، وهذه النتيجة ليست وليدة الصدفة، بل هي ثمرة جهود هذه الشركات الحثيثة لتطوير علاجات فعّالة.

وفقًا لدراسة نشرها (ملف PDF) الدكتور أميتاب تشاندرا، الأستاذ في كلية هارفارد للأعمال وكلية هارفارد كينيدي للحكومة، بلغ إجمالي الاستثمار العالمي في البحث والتطوير في مجال الأدوية الحيوية 276 مليار دولار أمريكي في عام 2021، بما في ذلك حصة كبيرة من الولايات المتحدة.

ومع مرور الوقت، أثمرت هذه الاستثمارات علاجات ثورية، من العلاجات المناعية للسرطان إلى لقاحات mRNA لفيروس كوفيد-19، وصولًا إلى علاجات لالتهاب الكبد الوبائي سي، وعلاجات رائدة للأمراض الوراثية النادرة، لقد حوّلوا تشخيصات كانت قاتلة في السابق إلى حالات مزمنة يمكن السيطرة عليها، وأطالوا، بل وأنقذوا، ملايين الأرواح.

فعلى سبيل المثال، في الأيام الأولى لجائحة كوفيد-19، شهدنا قدرة قطاع الأدوية على الابتكار السريع في الولايات المتحدة. فقد تمّ البحث عن لقاحات كان تطويرها يستغرق عادةً عقدًا من الزمن، واختبارها وتوزيعها في غضون عام واحد فقط، وذلك بفضل شراكات غير مسبوقة بين القطاعين الصناعي والحكومي والأكاديمي.

يُجسّد هذا المثال أفضل ما يُمكن أن تُقدّمه صناعة الأدوية: العمل المُنسّق، والبحث العلمي الدقيق، والحلول المُنقذة للحياة، لهذا لم يتعد عدد قتلى وباء كورونا في أفضل الأحوال 15 مليون قتيلا في عالم تعدى عدد سكانه 8 مليارات نسمة!

هامش ربح شركات الأدوية ليس الأكبر!

لا شك أن شركات الأدوية هي شركات تجارية تستخدم الدافع للأرباح كوقود للإبتكار، كما هو الحال في قطاع التكنولوجيا حيث تتنافس الشركات على تقديم حلول للمشاكل الحقيقية على شكل منتجات.

وحسب نظرية بيغ فارما (Big Pharma) يقال أنها هي الأكثر ربحية في العالم كما أنها تحقق أرقاما هي الأكبر وهذا خاطئ ويمكنك التحقق منه ببساطة بالنظر إلى أكبر الشركات في العالم من حيث القيمة السوقية ولن تجد ضمن شركة واحدة متخصصة في الأدوية ضمن العشرة الكبار.

وتتمتع شركات الأدوية عادةً بربحية عالية، حيث يبلغ متوسط ​​هامش صافي الدخل فيها ما بين 13.8% و23.2%، وهو أعلى بكثير من العديد من الصناعات الأخرى. وغالباً ما تحقق شركات الأدوية الكبيرة التي تعتمد على البحث والتطوير هوامش صافية تتراوح بين 15% و20% (تصل إلى 40-60% في القطاعات المتخصصة)، بينما تعمل شركات تصنيع الأدوية الجنيسة بهوامش ربح أقل تتراوح بين 5% و15% (مصدر الأرقام)

لكن المفاجأة أن هامش الربح لديها أقل من قطاعات عديدة مثل التكنولوجيا والبرمجيات والبنوك والتجارة الإلكترونية والعقارات وتأجير الأراضي.

حقيقة الأدوية التي تسبب أضرارًا

بعض الأدوية تسبب أضرارًا ولهذا عندما تثبت الأبحاث والواقع ذلك يتم سحبها من السوق، لأن شركات الأدوية ستتعرض لسيل من الدعاوى القضائية والمشاكل القانونية التي قد تسبب لها خسائر مالية كبرى وربما حتى الإفلاس إذا تدمرت سمعتها.

ومن المعلوم أن السمعة في غاية الأهمية بالنسبة للشركات العاملة في مجالات الصحة والبنوك والحلول المالية، وأي شبهة أو فضيحة قد تسبب خدشا لا يمكن محوه في ذاكرة الرأي العام.

لهذا السبب هناك النظم الرقابية المتقدمة والمعمول بها في مختلف الدول وهي أكثر تشددا في الإتحاد الأوروبي وأمريكا الشمالية لأن المواطنون هناك يستطيعون متابعة الشركات قضائيا وهناك صحافة قوية بمثابة السلطة الرابعة، وعادة ما تلجأ السلطات في بعض الدول العربية مثل المغرب ودول الخليج والأردن ومصر إلى منع الأدوية والمنتجات المضرة بالصحة بناء على الإجراءات المعمول بها في الدول الغربية.

يمر الدواء بمراحل تبدأ بالاكتشاف والتجارب قبل السريرية ثم التجارب السريرية ثم مراجعة الهيئات التنظيمية ثم مراقبة ما بعد التسويق، وتعد إدارة الغذاء والدواء الأمريكية مؤسسة حكومية موثوقة تتابع عملية تطوير الدواء تشمل مراحل البحث قبل السريري، والبحث السريري، ومراجعة الدواء، ثم مراقبة السلامة بعد طرحه في السوق.

في المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، مثلًا، تُصمم الدراسات لإظهار ما إذا كان الدواء يقدم فائدة علاجية لفئة محددة، وتشمل عادة مئات إلى آلاف المشاركين، وتوفر معظم بيانات السلامة قبل الموافقة.

تفرض السلطات على الشركات الإشارة بوضوح إلى الأعراض الجانبية للأدوية، كما أن الكثير منها لا يمكن الحصول عليها في الصيدلة بدون ورقة رسمية من الطبيب.

هل شركات الأدوية شريرة؟ فضائح صناعة الدواء العالمية

لو كانت شركات الأدوية شرًا مطلقًا، فكيف نفسر أن الأدوية واللقاحات أنقذت مئات الملايين من البشر؟ كيف نفسر المضادات الحيوية، الأنسولين، أدوية الضغط، أدوية التخدير، أدوية القلب، أدوية السرطان الحديثة، أدوية الإيدز، اللقاحات، أدوية الصرع، أدوية زرع الأعضاء، ومضادات التخثر؟

كيف تفسر أن اللقاحات إلى جانب صناعة الغذاء العالمية التي تستخدم التعديل الوراثي والهرمونات قد ساهمت في ارتفاع عدد سكان العالم من ملياري نسمة إلى 8 مليارات نسمة خلال 100 عاما وارتفع أيضا متوسط عمر الإنسان من 35 عاما إلى 70 عاما وقللنا معدلات وفيات الأطفال؟

لا شك أن هناك شركات تورطت في ممارسات مثل الإحتكار وإخفاء الاضرار الجانبية للحلول ومحاولة طرح أدويتها بسرعة لتحقيق الربح، لكن ألم تعاقب هذه الشركات وتتعرض للتشهير الصحفي ولعل أبرزها:

شركة Purdue Pharma التي تورطت في فضيحة تسويق OxyContin أُغلقت/توقفت عن العمل في 2026 ضمن خطة إفلاس وتسوية، واستُبدلت بكيان جديد اسمه Knoa Pharma مخصص للمصلحة العامة.

شركة Insys Therapeutics تورطت في رشوة أطباء لترويج دواء Subsys، وهو بخاخ فنتانيل قوي، والتلاعب بطلبات التأمين وافقت على تسوية بـ225 مليون دولار في 2019، وأقرّت شركتها التشغيلية بالذنب في تهم احتيال بريدي، ثم دخلت الإفلاس.

شركة New England Compounding Center – NECC تورطت في حقن ستيرويد ملوثة تسببت في تفشي التهاب السحايا الفطري عام 2012 وقد أغلقت، أُلغيت رخصتها في ماساتشوستس، ودخلت الإفلاس، ثم خُصص صندوق تعويضات للضحايا.

وهناك العديد من الشركات الأخرى التي تورطت في ممارسات أقل سوءا ودفعت غرامات وتعويضات مالية ولا تزال مستمرة في العمل مثل GlaxoSmithKline – GSK التي تورطت في تسويق غير قانوني لبعض الأدوية وإخفاء بيانات السلامة وهي لا تزال مستمرة في العمل بعد أن دفعت غرامة تاريخية قدرها 3 مليارات دولار.

هل تخاف شركات الأدوية من ضياء العوضي وأمثاله؟

من أكثر الأفكار سذاجة في سردية أتباع ضياء العوضي أن شركات الأدوية كانت خائفة منه لأنه هدد مصالحها. هذه رواية درامية، لكنها غير واقعية.

صناعة الدواء العالمية لا تنهار لأن طبيبًا عربيًا يقول للناس اتركوا الدجاج والبيض والحليب أو يهاجم الأنسولين والطب التقليدي، لو كانت شركات الأدوية تقتل كل من ينتقدها، لما بقي على الإنترنت آلاف الأطباء والباحثين والناشطين والسياسيين الذين ينتقدون أسعار الأدوية وبراءات الاختراع والاحتكار وفضائح التسويق يوميًا.

النقد الحقيقي لشركات الأدوية موجود في الصحافة الكبرى، وفي تقارير الكونغرس، وفي المحاكم، وفي دراسات الجامعات، وفي تقارير منظمة الصحة العالمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومؤسسات الوصول إلى الدواء، هؤلاء أخطر على شركات الأدوية من أي مؤثر غذائي، ومع ذلك لا يحتاج العالم إلى تحويل كل وفاة إلى فيلم اغتيال.

الذي يهدد شركات الدواء فعليًا ليس فيديو عاطفيًا، بل تشريع يخفض الأسعار، ومحكمة تفرض غرامات، وبرلمان يحقق، وصحافة تكشف بعض الممارسات التجارية السيئة، وهيئة رقابية تمنع، ومنافسة أقوى من شركات أفضل منها في الميدان.

إقرأ أيضا: الدكتور ضياء العوضي: التدخين غير مضر بالصحة (فيديو)

مشكلة صناعة الأدوية الحقيقية

مشكلة صناعة الأدوية الحقيقية هي أن هناك أدوية تنقذ الحياة لكنها باهظة، وهناك دول فقيرة لا تستطيع شراء علاجات حديثة، وهناك أنظمة صحية ترهقها أسعار السرطان والأمراض النادرة وهناك نقص في أدوية أساسية وهناك احتكار وبراءات اختراع ونزاعات حول التسعير.

في هذا الصدد تقول منظمة الصحة العالمية بوضوح إن التغطية الصحية الشاملة لا تتحقق إلا عندما يكون هناك وصول ميسور إلى أدوية ومنتجات صحية آمنة وفعالة وذات جودة.

ما تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الإنفاق على الأدوية في دولها بلغ في المتوسط 766 دولارًا للفرد في 2023، بينما وصل في الولايات المتحدة إلى 1713 دولارًا للفرد، أي أكثر من ضعف متوسط دول المنظمة.

لهذا تبحث الصناعة عن إجابات لأسئلة حقيقية ومنطقية وهي: كيف نجعل الدواء متاحًا وعادل السعر؟ كيف نمنع الاحتكار؟ كيف نشجع الابتكار دون تحويل المرضى إلى زبائن مستنزفين؟ كيف نمول أبحاث المضادات الحيوية التي لا تغري السوق لكنها ضرورية للبشرية؟ هذه أسئلة صعبة، ولهذا يهرب منها المؤمنون بالمؤامرة إلى إجابة سهلة: «كلهم قتلة».

لماذا لا تستطيع شركات الأدوية إخفاء علاج السرطان؟

ما لا يعرفه معظم الناس هو أن السرطان ليس مرضاً حديثاً ناتجاً فقط عن نمط الحياة العصري، بل هو مرض قديم قدم الحياة متعددة الخلايا.

لقد وثق العلماء وجود أورام خبيثة في أحفوريات بشرية تعود لملايين السنين، وأقدمها ورم عظمي عمره 1.7 مليون عام، كما شُخصت حالات في مومياوات مصرية قديمة، مما يثبت أنه جزء من التاريخ البيولوجي للإنسان.

وإلى جانب أسطورة أن السرطان مرض حديث تعتمد نظرية بيغ فارما نظرية أخرى تفيد بأن شركات الأدوية تخفي علاج السرطان لأنها تربح من استمرار المرض.

والحقيقة على أرض الواقع هي أن الشركة التي تكتشف علاجًا فعالًا وحاسمًا لنوع كبير من السرطان ستربح أموالًا خيالية، وستسحق منافسيها، وستحصل على براءات اختراع، وستدخل التاريخ، منطق السوق نفسه لا يدفع إلى إخفاء العلاج، بل إلى احتكاره وبيعه بسعر مرتفع، وهذه مشكلة حقيقية لكنها عكس ما تزعمه نظرية بيغ فارما.

أضف إلى ما سبق أن الأبحاث الطبية لا تجري داخل شركة واحدة في قبو مغلق، فهناك جامعات، ومستشفيات ومختبرات حكومية، وشركات صغيرة، شركات منافسة، أطباء مستقلون، مجلات علمية، هيئات رقابية، تجارب سريرية في دول متعددة، ومرضى يشاركون في الأبحاث.

إخفاء علاج سحري للسرطان عن هذا العالم كله يتطلب مؤامرة يشارك فيها ملايين البشر بلا تسريب واحد حقيقي، وهذا أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع.

إقرأ أيضا: شاب مصري يتهم نظام الطيبات بقتل صديقه