
تحولت فاكهة الموز في الجزائر إلى رمز جديد لأزمة التموين وارتفاع الأسعار، بعدما تجاوز سعر الكيلوغرام في بعض الأسواق حاجز 2000 دينار جزائري، وسط ندرة حادة وغياب شبه كامل عن عدد من أسواق الجملة والتجزئة خلال الأسابيع الأخيرة.
وأكدت تقارير جزائرية أن التجار يجدون صعوبة متزايدة في الحصول على الموز، فيما طرحت جمعيات حماية المستهلك أسئلة عن أسباب اختفاء المادة ومسار توزيع الكميات الموجودة.
الأزمة لم تبق اقتصادية فقط، بل تحولت سريعًا إلى مادة سياسية، بعد أن ربط الإعلامي والناشط الجزائري المعارض وليد كبير، المقيم في الرباط، اختفاء الموز بتراجع قدرة الجزائر على الاستيراد من جهة، وبالخيارات الدبلوماسية للنظام من جهة أخرى.
وفي تدوينة أثارت نقاشًا واسعًا، قال كبير إن المشكلة لا تتعلق بالمضاربة وحدها، بل تعكس برأيه أزمة أعمق في نموذج الاستيراد والتمويل، معتبرًا أن الجزائر أصبحت تدفع داخليًا ثمن توتر علاقاتها مع عدد من الدول التي كانت تشكل مصادر لسلع مستوردة، إلى جانب الضغوط التي تتعرض لها احتياطيات النقد الأجنبي.
الموز يختفي والأسعار تقفز
المعطيات المتداولة في السوق الجزائرية تعكس حجم الاختلال، إذ نقلت منصة «أوراس» الجزائرية عن أحد التجار قوله أنه لم يشاهد الموز في سوق الجملة منذ أكثر من شهر ونصف، بعدما كانت أسعاره قد تجاوزت في مراحل سابقة 2200 دينار للكيلوغرام، كما أشارت إلى أن الموز غاب عن منشورات بعض أسواق الجملة الرسمية، أو ظهرت خانات أسعاره فارغة.
في المقابل، تضع الأسعار المرجعية المنشورة من وزارة الفلاحة الجزائرية الموز عند مستويات تتراوح بين 200 و220 دينارًا في الجملة، و230 إلى 250 دينارًا في التجزئة، ما يكشف فجوة هائلة بين السعر المرجعي والسعر الذي وصل إليه المنتج فعليًا في بعض الأسواق.
وهذا الفارق الكبير هو ما جعل الأزمة تتجاوز مجرد ارتفاع موسمي في الأسعار، وتتحول إلى سؤال عن سبب تعطل الإمدادات وغياب سلعة يفترض أن تكون من الفواكه الاعتيادية.
جمعيات المستهلك تسأل: أين ذهب الموز؟
المنظمة الجزائرية للدفاع عن المستهلك «حمايتك» أعادت بدورها الملف إلى الواجهة، وطالبت بتوضيحات بشأن تراجع الكميات المعروضة، متسائلة عمّا إذا كانت المشكلة ناتجة عن نقص حقيقي في التموين أم عن خلل في عملية التوزيع.
وتزداد هذه الأسئلة حساسية لأن السلطات الجزائرية خاضت خلال السنوات الأخيرة حملات متكررة ضد المضاربة في الموز.
ففي مارس 2025، أعلنت الجمارك حجز أكثر من 800 ألف كيلوغرام من الموز داخل 34 حاوية في ميناء عنابة، وقالت حينها إن الكميات كانت موجهة للمضاربة بعد ارتفاع الأسعار إلى أكثر من 600 دينار للكيلوغرام.
لكن الأسعار الحالية، التي تجاوزت 2000 دينار في بعض الحالات، تشير إلى أن المشكلة لم تعد محصورة في سلوك عدد من المضاربين، بل أصبحت مرتبطة كذلك بتوفر السلعة نفسها.
وليد كبير: السياسة الخارجية وصلت إلى موائد الجزائريين
يقرأ وليد كبير الأزمة من زاوية مختلفة، فهو يرى أن اختفاء الموز يمثل نتيجة مباشرة لتداخل السياسة الخارجية مع الاقتصاد، خصوصًا مع توتر علاقات الجزائر مع دول كانت تمثل مصادر للاستيراد، وربط ذلك بمواقف هذه الدول من قضية الصحراء.
وبحسب قراءة كبير، فإن توسع عدد الدول التي تدعم الموقف المغربي في النزاع جعل السلطة الجزائرية تدخل حسابات سياسية في قرارات اقتصادية كان يفترض أن تخضع أساسًا لمنطق الأسعار والتوريد واحتياجات السوق.
ومن هذا المنظور، تصبح المشكلة أكبر من مجرد فاكهة مفقودة، فكلما ضاقت قائمة الموردين لأسباب سياسية، تقل الخيارات أمام المستوردين، وترتفع احتمالات اضطراب التموين والأسعار، خصوصًا في بلد يعتمد على الخارج لتوفير العديد من السلع الغذائية والاستهلاكية.
«الدولار ماكانش».. العامل الثاني في الأزمة
الجزء الثاني في تفسير الناشط الجزائري يتعلق بالعملة الصعبة، إذ يربط صعوبة الاستيراد بما يعتبره تآكلًا في قدرة الدولة على توفير الدولار لتمويل الواردات، مستخدمًا التعبير المباشر: «الدولار ماكانش».
وهذا العامل مهم لأن استيراد الموز يحتاج بطبيعة الحال إلى العملة الأجنبية، وكل تشديد في منح رخص الاستيراد أو تخصيص العملة الصعبة ينعكس سريعًا على حجم الكميات الداخلة إلى السوق.
كما أن سوق الصرف الجزائري يعيش أصلًا فجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، فيما بلغ السعر الرسمي للدولار في سبتمبر نحو 133 دينارًا، بحسب بيانات بنك الجزائر الخارجي.
ويربط كبير هذه الضغوط بما يصفه بإنفاق الدولة موارد مالية كبيرة على ملفات سياسية خارجية، وفي مقدمتها دعم جبهة البوليساريو ومواجهة المغرب دبلوماسيًا.
