بعد خطوات الرئيس قيس سعيد التي أخذ بها زمام الأمور من الحكومة والبرلمان الغارقين في الفوضى والفاشلين في حل أزمة البطالة ومشكلة اقتصاد تونس، تعبر أطراف غربية وأخرى شرقية عن قلقها حول مصير الديمقراطية في هذا البلد.
من الأكيد أن الديمقراطية هي واحدة من أهم أهداف الشعوب في المنطقة، ونتحدث عن نظام سياسي يكفل الحرية وشفافية الإنتخابات وإنتقال السلطة بشكل سلمي وما إلى غير ذلك من المبادئ التي نتشدق بها جميعا.
لكن الحقيقة أن اقتصاد تونس أهم من ديمقراطيتها الفاشلة، فلو كانت الأخيرة بيد أحزاب مسؤولة ونظام حاكم له ضمير لما وصل الوضع المعيشي في هذا البلد إلى منحدر خطير وغير مسبوق.
والإقتصاد الجيد لا يشترط أن تكون الدولة ذات نظام ديمقراطي، فهناك دول ديكتاتورية قمعية حققت ما لم تحققه الكثير من الدول الديمقراطية، ولعل الصين أبرز مثال على ذلك.
المهم أن تكون هناك قيادة سياسية ذات إرادة قوية لمكافحة الفساد وتحقيق التنمية الشاملة، وهذا الشرط يكفي ليشعر الشعب بالرضا عن حكامه.
ينبغي أن نتذكر أن ما أخرج الشعوب العربية في الأساس للثورة ضد حكامها في أكثر من بلد هي الأزمة الإقتصادية والسعي نحو نظام يوفر فرص العمل، فقد وصلت تداعيات الأزمة المالية لسنة 2008 إلى منطقتنا مطلع العقد الماضي، وقد وصلت أسعار المواد الغذائية في الشرق الأوسط إلى مستوى قياسي غير مسبوق خلال فبراير 2011.
ومن ضمن هذه الشعوب نجد الشعب التونسي الذي خسر معظمه حتى مستويات المعيشة التي كانت في عهد الديكتاتور الراحل زين العابدين.
هذا الشعب لا تكفيه مكتسبات الحرية والديمقراطية فهي لم تجلب له المكتسب الأهم وهو العيش الكريم والعثور على الوظيفة والحصول على المسكن والتطبيب والرعاية الصحية.
تلك المكتسبات في الحقيقة لا تحملها الديمقراطية في طياتها بل الحكومة المسؤولة والأحزاب التي تدرك أن الديمقراطية ما هي إلا وسيلة للوصول إلى الحكم من أجل اصلاح البلاد وتقوية اقتصاده، وليس استخدامها للوصول إلى السلطة لنهب المال العام والإكتفاء بالخطابات الرنانة في البرلمان ووسائل الإعلام.
تتكلم الجهات المدافعة عن الديمقراطية حول العالم من خطورة انزلاق تونس نحو عهد الديكتاتورية، ونسيت أن أهم ما يجب أن تقلق عليه هو الإقتصاد الذي يحتضر.
كان ينبغي على الولايات المتحدة الأمريكية التي عبرت عن قلقها عبر وزير خارجيتها، أن تساعد تونس في السنوات والأشهر الماضية، في حال مشاكلها، وهي تعلم أن استمرار الأزمة في هذا البلد يعرض ديمقراطيتها للفشل.
هذه الرسالة موجهة ليس فقط لأمريكا القلقة وتركيا ووسائل الإعلام القطرية التي تتباكى على ما يحدث الآن في تونس، لماذا لم تقلق هذه الجهات مع انزلاق البلد لأزيد من 10 سنوات في وضع اقتصادي كارثي لم تشهده البلاد من قبل؟
كان الأفضل للحزب الحاكم أن يعلم بأن الشعب التونسي والدولة العميقة يتربصان به، فإذا نجح ضمن استمراره في الحكم، وإذا فشل فسيطرد من الحكم سواء في الانتخابات أو من خلال بوابة الدستور كما فعل الرئيس التونسي.
أما وقد فشل حزب النهضة ومعه أيضا الأحزاب الأخرى العلمانية وغيرها، فقد حان الوقت ليتصرف الرئيس والدولة العميقة بحزم لإيقاف هذا الإنهيار فذلك أقصر السبل نحو النجاة.
ويأتي هذا التطور على اثر انهيار النظام الصحي والفشل في مكافحة فيروس كورونا، وهي المصيبة التي أكدت للداني والقاصي أن هذا البلد يسير نحو الهاوية.
لهذا السبب ومن أجل ضمان الإستقرار في تونس ومنع الإنزلاق إلى أي اضطرابات داخلية مفجعة، ينبغي أن يقلق المجتمع الدولي على حال الإقتصاد ويقدم المساعدات والإقتراحات الجيدة التي يمكن أن تخرج بها الدولة من هذا النفق المظلم، أما تشغيل شريط التباكي على الديمقراطية فهو لا يثير تعاطف أغلبية الشعب التونسي.
إقرأ أيضا:
نريد اصلاحات اقتصادية في تونس على طريقة مصر

