
حين قصفت أوكرانيا سفينة إيرانية في بحر قزوين، سارعت طهران إلى إدانة الهجوم ووصفه بأنه عمل عدائي لا يمكن تجاهله. لكن المشكلة في الرواية الإيرانية أنها تبدأ من لحظة الانفجار فوق السفينة، وتتجاهل عمدًا ما سبق ذلك بسنوات:
لم تكن إيران ابدا على هامش الحرب الروسية الأوكرانية، بل ساهمت في تسليح روسيا بأحد أكثر الأسلحة التي أصبحت ترمز إلى حربها الجوية ضد المدن والبنية التحتية الأوكرانية، وهي طائرات «شاهد» الانتحارية.
هذه ليست اتهامات أوكرانية عابرة ولا رواية غربية غير موثقة، إذ فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ سنوات عقوبات على شركات وأفراد وشبكات نقل مرتبطة بإنتاج الطائرات الإيرانية المسيرة وإرسالها إلى روسيا، كما وثقت وزارة الخزانة الأمريكية عمليات نقل طائرات ومعدات وأفراد إيرانيين إلى الجانب الروسي، ثم تعاون الطرفين على إنتاج نسخ إيرانية التصميم داخل روسيا نفسها.
الاتحاد الأوروبي بدوره لا يزال، حتى عام 2026، يفرض نظام عقوبات مخصصًا للدعم العسكري الإيراني للحرب الروسية على أوكرانيا.
لذلك تبدو مطالبة إيران بأن تعاملها أوكرانيا كدولة محايدة مطالبة غير واقعية. فمن يزود دولة تخوض حربًا بأسلحة تستخدم لضرب خصمها، ثم يواصل تطوير هذه العلاقة العسكرية على مدى سنوات، يدخل بنفسه إلى المجال الاستراتيجي للحرب حتى وإن لم يرسل جيشه رسميًا إلى الجبهة.
إيران لم تكن متفرجة على الحرب الروسية
منذ بداية الغزو الروسي الواسع لأوكرانيا، تحولت الطائرات المسيرة الإيرانية إلى مكون أساسي في استراتيجية موسكو لضرب العمق الأوكراني. وقد استخدمت روسيا طائرات «شاهد-136» وغيرها من الأنظمة الإيرانية التصميم ضد منشآت الطاقة والمدن والبنية التحتية الحيوية، قبل أن تنتقل موسكو لاحقًا إلى تصنيع نسخ محلية منها ضمن مشروع صناعي مشترك مرتبط بالتكنولوجيا الإيرانية.
ولم تتوقف العلاقة عند الطائرات المسيرة. ففي سبتمبر 2024 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات جديدة بعد ما قالت إنه نقل صواريخ باليستية إيرانية قصيرة المدى إلى روسيا، مشيرة إلى أن الجانبين وقعا سابقًا عقدًا لتوريد مئات الصواريخ وأن عسكريين روس تلقوا تدريبات مرتبطة بها.
كما فرض الاتحاد الأوروبي لاحقًا عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بنقل الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية إلى موسكو.
هذه الوقائع تضع إيران في موقع مختلف جذريًا عن دولة تبيع معدات مدنية أو تحافظ على علاقات تجارية عادية مع روسيا. إذ ساهمت طهران في استمرار قدرة موسكو على تنفيذ هجمات بعيدة المدى داخل أوكرانيا، ومنحت روسيا تقنية أثبتت أنها رخيصة نسبيًا وفعالة في الحرب القاسية بين البلدين الجارين.
وعندما تتحول شحنات الأسلحة إلى جزء من منظومة الحرب الروسية، فإن طرق نقلها وموانئها والسفن التي تحملها تصبح، من المنظور العسكري الأوكراني، امتدادًا لسلسلة الإمداد التي تصل في نهايتها إلى ساحة القتال.
ضربة بحر قزوين لم تأت من فراغ
أعلنت إيران أن هجومًا أوكرانيًا استهدف سفينة إيرانية في بحر قزوين، ما أدى إلى مقتل بحار وإصابة آخر، فيما اتهمت طهران كييف بتنفيذ عمل عدائي وتعهدت بأن الحادث لن يمر من دون رد.
أما الجانب الأوكراني، فقد ربط عملياته في بحر قزوين بشبكات الشحن الروسية الإيرانية التي يشتبه في استخدامها لنقل معدات عسكرية ومكونات مرتبطة بالطائرات المسيرة والأسلحة بين البلدين.
وتحول بحر قزوين خلال الحرب إلى ممر مهم للعلاقات العسكرية والاقتصادية بين روسيا وإيران، خصوصًا أنه مساحة مغلقة نسبيًا بعيدة عن الرقابة البحرية الغربية التقليدية.
إذا ثبت أن السفينة المستهدفة كانت بالفعل تنقل عتادًا عسكريًا أو تشكل جزءًا مباشرًا من سلسلة توريد الأسلحة الروسية، يصبح النقاش مختلفًا تمامًا عن استهداف سفينة تجارية عشوائية لمجرد أنها ترفع العلم الإيراني.
القضية عندئذ ليست أن أوكرانيا قررت فجأة «مهاجمة إيران»، بل أنها وسعت نطاق استهداف شبكة الإمداد التي تستخدمها روسيا للحصول على الأسلحة التي تقتل الأوكرانيين.
إقرأ أيضا: مضيق هرمز ينقلب على إيران.. سلاح الضغط أصبح عبئًا اقتصاديًا
لا يمكن فصل المورد عن السلاح الذي يورده
هناك منطق بسيط في الحروب، إذا كان مصنع أو مستودع أو سفينة يزود جيشًا معاديًا بصورة مباشرة بالأسلحة، فإن الطرف الذي يتعرض للهجوم سيحاول تعطيل هذا المصدر.
أوكرانيا تفعل الشيء نفسه عندما تستهدف مستودعات الذخيرة الروسية أو مصانع الطائرات المسيرة أو خطوط السكك الحديدية التي تستخدم لنقل السلاح إلى الجبهة. ولذلك من الصعب الدفاع عن فكرة أن سلسلة الإمداد تصبح فجأة محصنة لمجرد أنها عبرت حدود دولة أخرى أو رفعت علمها.
هذا لا يعني أن أي دولة تصدر سلاحًا إلى طرف في حرب تصبح تلقائيًا هدفًا مشروعًا في كل مكان، ولا أن القانون الدولي يمنح أوكرانيا تفويضًا مفتوحًا لضرب أي منشأة إيرانية تريدها. هناك فرق جوهري بين استهداف موقع أو وسيلة نقل مرتبطة بصورة مباشرة بالجهد العسكري الروسي وبين مهاجمة البنية المدنية الإيرانية لمجرد أن طهران حليفة لموسكو.
لكن إيران نفسها أضعفت الحجة التي تحاول استخدامها اليوم عندما اختارت أن تحول علاقتها مع روسيا من شراكة سياسية إلى تعاون عسكري مباشر، فالدولة التي ترسل الطائرات الانتحارية والصواريخ ومكوناتها إلى طرف يخوض حربًا لا تستطيع في اللحظة نفسها المطالبة بالمزايا الكاملة للحياد.
إقرأ أيضا: لماذا قصفت أوكرانيا سفينة شحن إيرانية في بحر قزوين؟
