
أثار ظهور الرئيس السوري أحمد الشرع في افتتاح صالة الفيحاء الرياضية بدمشق موجة واسعة من الجدل، بعدما وثّق فيديو متداول من الحفل لحظة جلوسه أمام عرض فني تخللته موسيقى غربية ورقصات نسائية، في مشهد رآه كثيرون بعيداً تماماً عن الصورة التي ارتبطت به لسنوات بوصفه قائداً ذا خطاب إسلامي متشدد.
الحفل أُقيم رسمياً برعاية الدولة، وافتُتحت خلاله الصالة بحضور الشرع وعدد من كبار المسؤولين، بينهم وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الداخلية أنس خطاب، كما تخلله لقاء ودي بين منتخبي سوريا ولبنان في كرة السلة.
افتتاح رياضي.. لكن الجدل كان سياسياً وثقافياً
في الرواية الرسمية، جرى تقديم إعادة افتتاح صالة الفيحاء باعتبارها خطوة في مسار إعادة تأهيل البنية الرياضية في سوريا.
وقالت وكالة سانا إن الصالة افتُتحت “بحلتها الجديدة” بمباراة بين سوريا ولبنان، ونقلت عن الشرع قوله إن كرة السلة كانت من أحب الرياضات إلى قلبه قبل أن تدفعه الحروب إلى “لعبة أخرى” فيها هجوم ودفاع وخطط وانتصار وهزيمة، لكن المشهد الذي خطف النقاش لم يكن المباراة ولا الرميات التي سددها الشرع في الملعب، بل الفيديو المتداول من فقرات الافتتاح، والذي دفع قطاعاً من السوريين إلى التساؤل: هل نحن أمام تحول حقيقي في شخصية الرجل وخطابه، أم أمام إعادة تسويق سياسية لا أكثر؟
أغنية جنسية ورقصات نسائية
الضجة انفجرت تحديداً بسبب فقرة فنية ظهرت فيها راقصات على المسرح على وقع أغنية “Work It” للمغنية الأميركية ميسي إليوت، وهي أغنية ذات طابع استعراضي معروفة بإيحاءاتها الجنسية.
هذا التفصيل لم يكن عابراً في نظر منتقدي الشرع، لأن الرجل نفسه ارتبط طويلاً في الذاكرة العامة بخطاب محافظ ومتصلب تجاه الاختلاط والمظهر العام ودور الفن في المجال العام، ولهذا بدا المشهد، بالنسبة لكثيرين، ليس مجرد خطأ تنظيمي في حفل افتتاح، بل صورة مكثفة عن المسافة الهائلة بين ماضي الشرع الأيديولوجي وحاضره الرئاسي.
وفي المقابل، دافع أنصاره بالقول إن اختيار الموسيقى أو الفقرات الفنية لا يمكن تحميله شخصياً للشرع، وإن ما جرى لا يعبّر بالضرورة عن “هوية سوريا الجديدة” بقدر ما يعكس قرارات منظمي الحفل.
من يقود التغيير: الشرع أم دائرته الجديدة؟
هذه الحادثة أعادت فتح سؤال أكبر من مجرد أغنية في حفل: من يصوغ صورة الحكم في دمشق اليوم؟ فالرجل الذي صعد من عالم “الجهاد” إلى القصر الرئاسي يعمل منذ أشهر على تقديم نفسه كرئيس دولة يريد الاستقرار، والانفتاح، وكسر العزلة.
وصفت رويترز مساره العام بأنه انتقال من “الجهاد العالمي” إلى المشهد الدبلوماسي الدولي، في عملية إعادة تموضع سياسية سريعة ومحسوبة.
ومن هذه الزاوية، يقرأ البعض ما حدث في الفيحاء باعتباره جزءاً من عملية تلميع أوسع لوجه سوريا الجديد: دولة تريد الظهور أقل تشدداً، وأكثر قابلية للتطبيع مع العالم، حتى لو أثار ذلك غضب جزء من القاعدة الإسلامية التي صعدت معه أو راهنت عليه.
الإسلاميون غاضبون.. والمحيسني دخل على الخط
الانتقاد لم يأت فقط من خصوم الشرع المدنيين أو العلمانيين، بل أيضاً من شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي المتشدد.
من بين أبرز ردود الفعل، برز تعليق الداعية السعودي عبدالله المحيسني الذي كتب على منصة إكس: “غفر الله لمنظمي الاحتفال”، في إشارة واضحة إلى رفضه الفقرات الفنية وما تخللها من موسيقى ورقص.
أهمية هذا التعليق لا تكمن فقط في مضمونه، بل في رمزيته أيضاً، فالمحيسني يعد من أبرز الوجوه “الجهادية” التي ارتبط اسمها بالحرب السورية خلال سنواتها الماضية، ما يجعل اعتراضه بمثابة مؤشر على اتساع الهوة بين خطاب الإسلاميين التقليديين وصورة الحكم التي يسعى الشرع إلى تصديرها اليوم.
حتى فستان المذيعة لم ينجُ من المعركة
ولأن الحفل تحوّل إلى ساحة حرب ثقافية مصغرة، لم يتوقف الجدل عند الأغنية والرقصات، الإعلامية السورية آسيا هشام، التي قدّمت الحفل إلى جانب الإعلامي اللبناني طوني بارود، تعرضت بدورها لتعليقات وانتقادات من ناشطين إسلاميين ركزوا على فستانها ووصفوه بأنه “مكشوف” و”ضيق”.
هذا يعني أن الأزمة لم تكن فقط في مضمون الفقرات، بل في كل ما مثله الحفل بصرياً ورمزياً: ملابس، موسيقى، حركة، لغة، وصورة امرأة تقدم حدثاً رسمياً في حضرة رئيس جاء من خلفية مختلفة تماماً عن هذا العالم.
