
بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، برزت سوريا الجديدة تحت قيادة أحمد الشرع، الملقب سابقًا بأبو محمد الجولاني، كدولة تسعى لإعادة بناء نفسها وسط تحديات داخلية وإقليمية معقدة.
يأتي هذا التحول في سياق تغيرات جيوسياسية كبيرة، حيث لعبت الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل أدوارًا حاسمة في دعم هذا النظام الجديد.
يهدف هذا المقال إلى تحليل الأدوار المحددة لهذه الدول في بناء سوريا الجديدة، مع التركيز على رفع العقوبات الأمريكية، الدعم التركي للشرع، والجهود الإسرائيلية للقضاء على التهديدات الأمنية، لا سيما تنظيم داعش.
دور أمريكا في بناء سوريا الشرع الجديدة
في 13 مايو 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال زيارته للرياض، عن نيته رفع العقوبات المفروضة على سوريا، والتي بدأت منذ عام 1979 عندما أدرجت الولايات المتحدة سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب.
هذه العقوبات، التي شملت حظر تصدير الأسلحة، قيودًا على التعاملات المالية، وقانون قيصر (2020) الذي استهدف النظام السوري وحلفائه، كانت قد أثرت بشكل كبير على الاقتصاد السوري، مما تسبب في انهيار الليرة السورية ونقص حاد في المواد الأساسية.
قرار رفع العقوبات، الذي نفذته وزارة الخزانة الأمريكية عبر الترخيص العام رقم 25، فتح المجال أمام استثمارات جديدة في سوريا، بما في ذلك صفقة بقيمة 7 مليارات دولار بمشاركة شركات أمريكية وقطرية وتركية في قطاع الطاقة.
هذا القرار لم يكن مجرد خطوة اقتصادية، بل كان جزءًا من استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى دعم استقرار سوريا تحت قيادة الشرع، بشرط عدم توفير ملاذ آمن للمنظمات الإرهابية وضمان أمن الأقليات.
شروط الدعم الأمريكي لسوريا
وفقًا لكارولين ليفيت، السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، وضعت الولايات المتحدة خمسة شروط رئيسية لدعم سوريا الجديدة:
-
التوقيع على اتفاقيات أبراهام مع إسرائيل.
-
ترحيل الإرهابيين الأجانب من سوريا.
-
ترحيل الإرهابيين الفلسطينيين.
-
مساعدة الولايات المتحدة في منع عودة تنظيم داعش.
-
تحمل المسؤولية عن مراكز احتجاز مقاتلي داعش في شمال شرق سوريا.
هذه الشروط تعكس رغبة واشنطن في ضمان أن تكون سوريا الجديدة شريكًا موثوقًا في المنطقة، مع التركيز على مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
كما أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل في التواصل المباشر مع هيئة تحرير الشام، التي يقودها الشرع، لتسهيل قضايا مثل البحث عن الصحفي الأمريكي أوستن تايس، المختطف في سوريا منذ 2012.
إدماج المقاتلين الأجانب
أعطت الولايات المتحدة الضوء الأخضر لدمشق لدمج المقاتلين الأجانب ضمن الجيش السوري، بشرط أن يتم ذلك بشفافية.
هذه الخطوة تهدف إلى احتواء الجماعات المتشددة ومنع انتقالها إلى مناطق أخرى، مما يعكس مقاربة براغماتية من واشنطن للتعامل مع الواقع الجديد في سوريا.
دور تركيا في بناء سوريا الشرع الجديدة
لعبت تركيا دورًا محوريًا في دعم أحمد الشرع وقوات المعارضة التي أطاحت بنظام الأسد.
منذ بداية الثورة السورية في 2011، دعمت تركيا فصائل المعارضة، بما في ذلك الجيش الوطني السوري، الذي تم دمجه لاحقًا في وزارة الدفاع التابعة للحكومة المؤقتة بقيادة الشرع.
في 4 فبراير 2025، زار الشرع تركيا للقاء الرئيس رجب طيب أردوغان، حيث ناقشا تعزيز العلاقات الثنائية، دعم الاستقرار في سوريا، والتعاون في ملفات إعادة الإعمار والأمن.
إعادة الإعمار والاستثمار
تركيا، إلى جانب قطر والولايات المتحدة، شاركت في صفقات استثمارية كبيرة، مثل صفقة الطاقة بقيمة 7 مليارات دولار، والتي تهدف إلى إعادة بناء البنية التحتية لسوريا المدمرة، كما سعت تركيا إلى تخفيف العقوبات الاقتصادية على سوريا، حيث التقى وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بنظيره الأمريكي أنتوني بلينكن في 2023 لبحث حلول للمناطق الشمالية السورية.
هذا التعاون يعكس رغبة تركيا في لعب دور قيادي في إعادة تشكيل سوريا كدولة مستقرة وموالية لمصالحها الإقليمية.
إدارة التحديات الأمنية
تركيا دعمت خطة الشرع لإدماج المقاتلين الأجانب في الجيش السوري، مما يساهم في استقرار البلاد ومنع الفوضى الأمنية.
كما أن تركيا لعبت دورًا في التفاوض مع قوات سوريا الديمقراطية الكردية لضمان استقرار المناطق الشمالية الشرقية، رغم التوترات التاريخية بين أنقرة والأكراد.
هذه الجهود تعزز من قدرة الشرع على بسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي السورية.
دور إسرائيل في بناء سوريا الشرع الجديدة
إسرائيل، التي كثفت غاراتها الجوية على سوريا بعد سقوط الأسد، ركزت على استهداف البنية العسكرية المتبقية من النظام السابق والجماعات التي تشكل تهديدًا لأمنها، بما في ذلك بقايا تنظيم داعش والمليشيات المدعومة من إيران.
في ديسمبر 2024، استهدفت إسرائيل أكثر من 60 موقعًا عسكريًا في سوريا، بهدف تدمير القدرات التي قد تهدد استقرار الحكومة الجديدة أو أمن إسرائيل.
تنظيم داعش، الذي كفر أحمد الشرع واعتبره هدفًا بسبب رفضه دمجه في هيئة تحرير الشام، يشكل تهديدًا مشتركًا لكل من إسرائيل وسوريا الجديدة.
الغارات الإسرائيلية، التي شملت مواقع في دمشق ودرعا، هدفت إلى منع عودة ظهور داعش، مما يتماشى مع الشروط الأمريكية لدعم الشرع.
التفاوض والتطبيع
على الرغم من التوترات التاريخية بين سوريا وإسرائيل، بسبب احتلال مرتفعات الجولان ودعم دمشق السابق لفصائل فلسطينية، هناك مؤشرات على محاولات لتخفيف التوترات.
في مايو 2025، أكد الشرع وجود مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل عبر وسطاء لتهدئة الأوضاع على الحدود.
كما دعا الشرع إلى العودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، مع مطالبة إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط الأسد.
رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت دعا إلى فتح قنوات اتصال مباشرة مع الإدارة السورية الجديدة، مشيرًا إلى أن اتفاقيات أمنية مع دمشق قد تمهد لمحادثات سلام مستقبلية.
هذه الدعوات تعكس رغبة بعض الأطراف الإسرائيلية في استغلال الوضع الجديد لتحقيق استقرار إقليمي، رغم اعتراضات الحكومة الحالية بقيادة نتنياهو.
حماية الأقليات
إسرائيل أبدت اهتمامًا خاصًا بحماية الطائفة الدرزية في جنوب سوريا، حيث استهدفت غارة إسرائيلية في ديسمبر 2024 منطقة قرب القصر الرئاسي في دمشق رداً على اشتباكات طائفية.
هذا التدخل يعكس استراتيجية إسرائيل لتعزيز نفوذها في المناطق الحدودية، مما قد يدعم استقرار الحكومة الجديدة بشكل غير مباشر من خلال منع التوترات الطائفية.
سوريا الجديدة برعاية أمريكية تركية اسرائيلية
إن الأدوار التي تلعبها الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل في بناء سوريا الجديدة تحت قيادة أحمد الشرع تعكس مصالح استراتيجية متباينة تتقاطع في هدف مشترك: إقامة دولة سورية مستقرة وصديقة للغرب.
الولايات المتحدة، من خلال رفع العقوبات ودعم الإدماج الأمني، تسعى لضمان استقرار المنطقة ومكافحة الإرهاب.
تركيا، بدورها، توفر الدعم العسكري والاقتصادي لتعزيز نفوذها الإقليمي، أما إسرائيل، فعلى الرغم من توتراتها التاريخية مع سوريا، فإنها تساهم في القضاء على التهديدات الأمنية وتسعى لتحقيق تفاهمات مع النظام الجديد.
وفي النهاية تظل التحديات كبيرة، خاصة مع استمرار قضية الجولان والتوترات الداخلية في سوريا، مما يجعل نجاح هذا التعاون الدولي مرهونًا بقدرة الشرع على تحقيق الاستقرار الداخلي والإلتزام بالتعهدات الدولية.
