لماذا يريد الشرع حظر الإخوان المسلمين في سوريا؟

في مشهد سياسي سوري يعج بالتحولات الدراماتيكية بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، يبرز صوت مستشار الرئيس أحمد الشرع، الدكتور أحمد موفق زيدان، كإشارة واضحة إلى اتجاهات السلطة الجديدة تجاه الجماعات الإسلامية.

في مقالة نشرت مؤخرًا على موقع “الجزيرة نت” بعنوان “متى ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟“، يدعو زيدان الإخوان المسلمين في سوريا إلى حل التنظيم بشكل طوعي، معتبرًا أن أفكارهم قد تجاوزها الزمن وأن استمرارها يعيق اندماجها في الدولة السورية الجديدة.

هذه الدعوة، التي تحمل طابعًا تهديديًا مبطنًا، تثير أسئلة حول مستقبل التعددية السياسية في سوريا، ودور الجماعات الإسلامية في مرحلة ما بعد الأسد، ومدى التزام السلطة الجديدة بمبادئ الديمقراطية أو الانحياز نحو نموذج شمولي يشبه عهد جمال عبد الناصر.

يأتي هذا التصريح في سياق حساس، حيث تواجه سوريا تحديات هائلة في إعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات من الحرب الأهلية والتدخلات الخارجية.

الإخوان المسلمين، الذين يُصنفون كمنظمة إرهابية في عدة دول عربية مثل مصر والإمارات والسعودية، كانوا جزءًا من المعارضة السورية التاريخية ضد نظام الأسد الأب والابن، ومع ذلك، يرى زيدان، الذي يفاخر بأصوله الفكرية الممتدة إلى الجماعة ذاتها، أن الوقت قد حان لهم للتنحي جانبًا، محذرًا من أن رفض الحل الطوعي سيؤدي إلى إقصائهم من المشهد السياسي. “مواكبة العصر وتطوراته وتحديثاته أمر في غاية الأهمية للسياسي العامل في الحيز الاجتماعي، وإلا فإنه يغمس خارج الصحن ويغرد خارج السرب”، يقول زيدان في مقاله، مستخدمًا استعارات تكشف عن رؤية تطالب بالتوافق التام مع السلطة الجديدة.

الإخوان المسلمين في سوريا

للفهم العميق لهذا التهديد، يجب العودة إلى جذور الإخوان المسلمين في سوريا، تأسست الجماعة في مصر عام 1928 على يد حسن البنا، وانتشرت إلى سوريا في الأربعينيات، حيث أصبحت قوة سياسية بارزة تحت قيادة شخصيات مثل مصطفى السباعي.

خلال الستينيات، واجهت الجماعة قمعًا شديدًا من حزب البعث، خاصة بعد الانقلابات العسكرية التي أدت إلى صعود حافظ الأسد عام 1970.

بلغ التوتر ذروته في مذبحة حماة عام 1982، حيث قتل عشرات الآلاف من أعضاء الجماعة وأنصارها، مما أجبر الباقين على الفرار إلى المنفى، خاصة في تركيا والأردن وأوروبا.

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، عاد الإخوان إلى الواجهة كجزء من الائتلاف الوطني السوري، لكنهم واجهوا اتهامات بالتطرف والاتحاد مع جماعات جهادية.

بعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024، على يد تحالف فصائل مسلحة قادته “هيئة تحرير الشام” (HTS) تحت قيادة أحمد الشرع (المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني)، كان الإخوان يأملون في دور سياسي.

ومع ذلك، يبدو أن السلطة الجديدة، التي أعلنت تشكيل جيش سوري موحد في يناير 2025 بعد حل الهيئة، ترى في الإخوان تهديدًا للوحدة الوطنية.

زيدان نفسه ليس غريبًا عن هذا السياق. في مقاله، يعترف بانتمائه السابق إلى الإخوان، بعد أن أنكر ذلك سابقًا خوفًا من قوائم الإرهاب.

اسمه ورد في وثائق وكالة الأمن القومي الأمريكية عام 2015، متهمًا بالانتماء إلى الجماعة وتنظيم القاعدة، الذي نفذ هجمات 11 سبتمبر 2001.

مؤلفاته ومنشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي تكشف عن قناعات إسلامية عميقة، مما يثير تساؤلات حول تعيينه مستشارًا للرئيس الشرع، خاصة مع تقارير حقوقية دولية تنتقد جرائم ارتكبتها جماعات متطرفة في مدن الساحل والسويداء بعد الاستيلاء على السلطة.

تحليل مقالة زيدان: تهديدات مبطنة ومقارنات تاريخية

في مقاله، يصور زيدان الإخوان كـ”أخطبوط وإمبراطورية عالمية وخلافة إسلامية على امتداد القارات الست”، لكنه يسخر من هذه الصورة، معتبرًا أن حقيقتها “يرثى لها”، معتمدين على “قصور خيالية وهمية سرابية”.

ودعا الفرع السوري إلى حل نفسه، مستشهدًا بأمثلة من دول المنطقة حيث تحولت فروع الإخوان إلى أحزاب سياسية “ناجحة”، مثل حزب النهضة في تونس أو حزب العدالة والتنمية في المغرب.

ومع ذلك، يتجاهل زيدان الإشكالات التي تواجه هذه الأحزاب اليوم، مثل التراجع الشعبي، التحديات الأمنية، والأزمات الاقتصادية التي أدت إلى خسارتها في الانتخابات.

أبرز ما في المقالة هو مقارنة الشرع بجمال عبد الناصر، يطالب زيدان الإخوان بالتعامل مع الشرع كما فعلوا مع ناصر أثناء الوحدة السورية-المصرية (1958-1961)، حيث حلت الجماعة نفسها تلبية لشرط ناصر بإخلاء الساحة من الأحزاب في “الإقليم الشمالي” (سوريا).

هذه المقارنة تكشف عن رؤية شمولية، حيث يُنظر إلى الشرع كقائد صاحب “الرؤية الاستراتيجية” الذي يحتكر “الصواب”، دون مجال للمعارضة السياسية أو الدينية.

هذا التشبيه يحمل دلالات إقليمية، إذ يلمح زيدان إلى دور محتمل للشرع كزعيم إقليمي، متجاهلاً الدعم العربي الذي قدمته دول مثل السعودية والإمارات للشرع منذ توليه السلطة قبل نحو تسعة أشهر، للحفاظ على وحدة سوريا ومنع تفككها.

حظر الإخوان المسلمين في سوريا

يثير مقال زيدان أسئلة حول خلافات بين التيارات الإسلامية في سوريا الجديدة، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، ماهر فرغلي، يرى فيه رسائل إلى الدول العربية التي تحظر الإخوان، مؤكدًا التزام دمشق بهذا النهج وإغلاق الأبواب أمام عودة التنظيم.

يضيف فرغلي أن دعوة زيدان تؤكد صواب مواقف الحكومات العربية، مشيرًا إلى توجه الجماعة عالميًا نحو العمل تحت واجهات دعوية واقتصادية وإعلامية.

من جانبه، يتفق محمد أبو رمان، المستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع بالأردن، مع فرغلي بشأن الرسائل الخارجية، لكنه يضيف بعدًا سوريًا: العداء التاريخي بين التيار السلفي الجهادي والإخوان، بالإضافة إلى موقف الشرع نفسه من الجماعة.

يذكر أبو رمان دور زيدان في هيئة التحرير، التي قادت إسقاط الأسد ثم حلت نفسها للانضمام إلى الجيش السوري.

كما يشير إلى رفض دمشق لحزب “وعد” الإخواني، الذي وصفه زيدان بأنه “ولد ميتًا” بسبب تشبثه بالماضي، مما يعني أن الجماعة لن تجد مكانًا في السياسة وعليها البحث عن مجالات أخرى.