
كان ربيع عام 2005 حين تصاعدت وتيرة الهجمات الجهادية على قوات الاحتلال الأمريكية في العراق، وشعرت المنطقة وكأنها ترتجف تحت وطأة تحولاتها الوشيكة.
وقف شابان سوريان في قلب تلك الإضطرابات، انجرفا إلى الحرب بدافع الغضب والمثالية والحيرة وشعور بالعار التاريخي، سافرا إلى الموصل، التي كانت آنذاك من أكثر بؤر التمرد اضطرابًا في الشمال.
كانا يختبئان نهارًا في بيوت آمنة سرية، ويصنعان صواعق العبوات الناسفة، وفي الليل، كانا يزرعان الألغام في الطرق التي كان من المتوقع أن تمر بها القوافل الأمريكية.
بالنسبة لهما، كما هو الحال بالنسبة لكثيرين غيرهما ممن انجرفوا في دوامة ذلك الصراع، بدا النضال وكأنه يعد بتطهير من العجز وتوجيه ضربة قاضية للظلم الإمبريالي الذي بدا وكأنه حاضر في كل مكان، ولا مفر منه.
يتذكر علي عيسى، أحد هؤلاء الشباب السوريين، تلك الفترة بمزيج من المرارة والذهول، فقد أمضى قرابة عشرين عامًا في سجون النظام السوري قبل أن يُفرج عنه مع انهيار دكتاتورية الأسد في الثامن من ديسمبر 2024.
ومن المفارقات أن تحريره جاء على يد الرجل نفسه الذي كان يصنع معه القنابل في شوارع الموصل المتربة، ذلك الرجل هو أحمد الشرع.
في ذلك الوقت، لم يكن بوسع أي منهما التنبؤ بالمسار المذهل الذي سيحمل الشرع من صانع قنابل سري إلى رئيس الدولة السورية، ولا بالمسارات المتشعبة التي سيسلكها على طول الطريق، مرورًا بالفصائل الجهادية، والسجون العراقية والسورية، والحروب الأهلية.
بعد سنوات من معركة الموصل، ارتقى الشرع في صفوف شبكات التمرد، وانضم أولًا إلى تنظيم الدولة الإسلامية، ثم إلى أسلافه ومنافسيه، إلى أن أُرسل إلى سوريا بصفة حاكم مؤقت.
انفصل عن تنظيم الدولة الإسلامية، وانضم إلى تنظيم القاعدة، ثم تخلى عن هذا التحالف أيضاً، وخلال الحرب الأهلية السورية، أصبح أحد أبرز قادة الميليشيات نفوذاً في إدلب، حيث خفف تدريجياً من حدة أفكاره وأساليبه، قبل أن يبرز كقائد غير متوقع، أطاح في هجوم خاطف أواخر عام 2024 بحكم أسرة الأسد الذي دام 54 عاماً.
والآن، في تحوّلٍ غريب، يستقبله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، ليس بزيّه العسكري ومعطفه الطويل، بل ببدلة وربطة عنق، وقد قُصّت لحيته الكثيفة التي كانت تُعرف بـ”لحية الجهاديين” قليلاً في كل قمة دولية.
قصة حياته أشبه بسيناريو غير منطقي، لدرجة أن منتجاً هوليوودياً سيرفضها على الأرجح، لكنها في النهاية قصة مثيرة لحياة غير عادية.
ومع ذلك، عندما يحاول عيسى، بعد عودته العام الماضي إلى قريته الجبلية قرب الحدود اللبنانية، ودراسته للقانون في دمشق، وصف الشخصية التي عرفها عن كثب، يجد الكلمة الأنسب: خجول.
يؤكد عيسى أن شراع كان خجولاً دائماً، انطوائياً، ذكياً، مثقفاً، ومتردداً في الحديث حتى مع أقرب الناس إليه، لم يُطلق النار في تلك الأيام الأولى، بل اقتصر دوره على بناء وزرع الألغام.
يتذكر عيسى أن فصيلهم كان واحداً من بين العديد من الجماعات الجهادية المنشقة التي حاولت شق طريقها في متاهة الأجندات والفلسفات المتنافسة التي ميزت التمرد العراقي.
وكان السوريون بينهم يتجادلون باستمرار حول ما إذا كان ينبغي أن يركز القتال على نظامهم القمعي، أما خط تنظيم القاعدة فكان يركز بشكل حصري على مهاجمة أمريكا.
واعتبر أحمد فكرة الإطاحة بالأسد فكرة غير واقعية بشكل مثير للسخرية في ذلك الوقت، وأصر حينها على أن الحرب الحقيقية تدور رحاها في العراق.
بعد سنوات، سينظر الكثيرون إلى تلك الانطباعات الأولى عنه ويتساءلون عن حقيقة هذا الرجل، فبقايا سيرته الذاتية متناثرة يصعب فهمها، فقد كان ينتمي إلى أخطر دوائر الجهاديين في الشرق الأوسط، ومع ذلك، في إدلب، قاد تحولاً واسع النطاق نحو الطاقة الشمسية، وتعهد بحماية المسيحيين والأقليات الأخرى كمواطنين متساوين.
غير أنه فشل أيضاً في منع مجازر العلويين في الشمال الغربي، ومجازر الدروز في الجنوب، خلال الأشهر المضطربة التي أعقبت انتصاره.
واليوم، يحاول المستحيل: إعادة بناء سوريا الممزقة، المنهكة، والمصدومة، لتصبح دولة مسالمة، لكن هل يستطيع تحويلها إلى دولة ديمقراطية؟
لا يزال تمثال حافظ الأسد مؤسس النظام، متناثراً إلى أشلاء رمزاً لثورة جيلين، وتملأ المظاهرات التي تُحيي ذكرى سقوط النظام شوارع المدن بعزيمة على بقاء البلاد موحدة، حتى مع تحليق الطائرات الأجنبية في السماء وتزايد شائعات الصراعات الجديدة.
ما يريده الشرع لسوريا حقاً يبقى لغزاً، فبالنسبة لمنتقديه – بمن فيهم المستفيدون السابقون من حكم الأسد، ونشطاء حقوق الإنسان المحبطون، وحكومتا إسرائيل وإيران المعاديتان له بشدة – لا يزال إرهابياً، ولا يزال يُعرف باسم أبو محمد الجولاني، وهو الاسم الحركي الذي اتخذه عام 2012 عندما أسس جبهة النصرة.
ووفقاً لهم، فإن اعتداله مجرد موقف تكتيكي، وقناع مؤقت سيتخلى عنه بمجرد ترسيخ سلطته، وتوقعاتهم قاتمة فبمجرد أن يترسخ، سيكشف عن وجهه الحقيقي كجهادي عازم على تحويل سوريا إلى خلافة إسلامية متشددة.
لكن قاعدة مؤيدي شرع العالمية متنوعة بقدر تنوع منتقديه وأبرزهم ترامب، والحكومات الأوروبية، والسعودية، ودول الخليج، وفلاديمير بوتين، ورجب طيب أردوغان رئيس تركيا.
كل فصيل يفسره وفقاً لرؤيته، بالنسبة لأوروبا، هو بوابة محتملة للديمقراطية؛ بالنسبة للسعودية، حليف سني لا يتسم بالكثير من عدم القدرة على التنبؤ الأيديولوجي؛ وبالنسبة لروسيا وتركيا، حليف براغماتي يمكن التفاوض معه.
في سبتمبر، أصبح أول زعيم سوري منذ أكثر من نصف قرن يُلقي خطابًا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل ذلك بيومين، شارك المنصة في نيويورك مع الجنرال الأمريكي السابق ديفيد بترايوس.
تبادل الرجلان، اللذان كانا عدوين لدودين يترددان على مناطق الحرب نفسها عبارات ثناء ودية، واختتم بترايوس خطابه باعترافٍ يكاد يكون صادمًا: “لديك معجبون كثر، وأنا واحد منهم”.
ما جعل الشرع جذابًا لبعض الأمريكيين لم يكن مجرد تحوّله، بل عمق الظلام الذي ادّعى أنه تركه وراءه، فكلما ازداد عمق الهاوية التي خرج منها، ازداد نوره الحالي سطوعًا.
بدت قصته وكأنها تُحاكي بشكلٍ علماني، تحوّلًا بولسيًا معكوسًا: ليس المضطهد الذي أصبح مسيحيًا، بل الجهادي الذي أصبح سفيرًا بارعًا للدبلوماسية الدولية.
لكن نظرة فاحصة على سنوات شرعًا السرية تكشف عن شيءٍ أكثر تعقيدًا من مجرد تحوّل أيديولوجي، لا تُشير تلك السنوات إلى رجلٍ تحركه قناعات راسخة بقدر ما تُشير إلى مُخططٍ بارع، وأحيانًا قاسٍ، نسج تحالفات مع جماعاتٍ انقلب عليها لاحقًا، ولعب لعبة الفصائل ضد بعضها، وسعى دائمًا إلى تعزيز نفوذه في بيئةٍ كان فيها البقاء للأقوى، لقد سعى وراء النفوذ بلا هوادة إلا أن رؤيته النهائية لم تكن واضحة تمامًا.
جاءت عودته إلى سوريا عام 2011 بأوامر من قيادة تنظيم الدولة الإسلامية، الذين أرسلوه “بحقائب مليئة بالمال”، كما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال لاحقًا.
كان الهدف هو إنشاء فرع سوري للتنظيم الجهادي يبدو محليًا وعضويًا. حتى اسم الجماعة الجديدة كان مُحددًا مسبقًا: جبهة النصرة.
في الأشهر التي تلت ظهورها، بدءًا من الانفجارات المروعة في 23 ديسمبر 2011، اكتسبت جبهة النصرة سمعة سيئة بين ليلة وضحاها.
ضربت الهجمات دمشق وحلب بدقة مدمرة، انتشرت مقاطع فيديو دعائية احترافية على الإنترنت بسرعة البرق، روّج جهاز المخابرات التابع للأسد لوجود الجماعة لتبرير رواية النظام بأن كل المعارضة هي إرهاب.
بحلول ربيع عام 2013 خالف أحمد الشرع الخطة الموضوعة له، فقد ساورت قادة تنظيم الدولة الإسلامية الشكوك تجاهه، وخلصوا بعد مراقبة طويلة إلى أنه “ماكر ومخادع”، لا يكترث بالعقيدة الدينية لعناصره.
وكان حلهم هو ضم جبهة النصرة إلى تنظيم الدولة الإسلامية، لكن زعيم النصرة الملثم، الذي كان لا يزال يُعرف علنًا باسمه الحركي فقط، رفض ذلك.
فرّ المقاتلون الأجانب بأعداد غفيرة وانقطعت مصادر التمويل، ومع قلة الخيارات، سعى الشرع إلى الحماية في مكان آخر، فانضم إلى تنظيم القاعدة، الخصم اللدود لتنظيم الدولة الإسلامية.
وكان أبو خالد السوري، وهو جهادي مخضرم قاتل إلى جانب أسامة بن لادن، هو الوسيط في هذا التحول غير المسبوق.
يتذكر معاونوه من تلك الفترة تكتمه الشديد، حتى في المكالمات المشفرة، كان يرفض الكلام، ويكتفي بكتابة الردود، وكأنه يخشى أن يفضحه صوته وحده، لم يكن خوفه عبثًا: فبعد أشهر اغتال تنظيم الدولة الإسلامية أبو خالد.
لمدة عامين تقريبًا بعد ذلك اختفى الشرع عن الأنظار ولم يتواصل إلا مع أقرب مساعديه، وصف عيسى، رفيقه القديم من العراق، ذلك لاحقًا بأنه عمل شجاع للغاية لتحديه تنظيم الدولة الإسلامية في أوج قوته.
بحلول عام 2015، وبعد أن جمع عددًا كافيًا من المقاتلين الموالين، انفصل عن تنظيم القاعدة أيضًا، وتكرر النمط: ولاءات مؤقتة، تليها إعادة تأكيد الاستقلال.
أعلن أن جبهة النصرة لن تهاجم أهدافًا في أوروبا أو الولايات المتحدة، وأن ساحة معركتها الوحيدة هي نظام الأسد، ومع ذلك، حتى مع فرضه هذا التقييد الجغرافي، اضطهد جماعات المعارضة العلمانية والمجالس المحلية، متهمًا إياها بتلقي مساعدات من غير المسلمين.
يتذكر أحد رؤساء المجالس السابقين أنه حتى أكياس الدقيق من الوكالات الإنسانية الأمريكية كانت تُعاد باعتبارها غير نقية.
ومع ذلك، ترددت شائعات، لم تثبت صحتها قط، لكنها ظلت مستمرة، مفادها أن أحمد الشرع تعاون سرًا مع المخابرات الأمريكية، وقدم معلومات عن تنظيم الدولة الإسلامية.
لم تمنعه المكافأة البالغة 10 ملايين دولار المرصودة لمن يدلي بمعلومات عنه من الظهور علنًا، كما أن غياب الضربات الأمريكية ضده غذّى التكهنات بأنه لم يكن هدفًا ذا أولوية.
في معقل المعارضة المتضائل في إدلب، المكتظ الآن بالمقاتلين والمدنيين الفارين من شتى أنحاء البلاد، بنى الشرع تدريجيًا دولة بدائية.
شكلت الطاقة الشمسية العمود الفقري لشبكة كهربائية جديدة؛ وازدهرت مشاريع البنية التحتية؛ وجُمعت الضرائب وعائدات الجمارك بانتظام بدلًا من تبديدها في الفساد.
أعادت جبهة النصرة تسمية نفسها إلى “هيئة تحرير سوريا”، أسس الشرع أكاديمية عسكرية ودعا خبراء أوكرانيين لتدريب وحدة طائرات مسيرة أثبتت فعاليتها المدمرة ضد روسيا في أوكرانيا.
تعاون أحمد الشرع الذي كان سمى حينها مع تركيا التي لديها أطماع في الشمال السوري، ولقي دعما قويا من أنقرة والدوحة المعارضتين بشدة لاستمرار حكم الأسد، في الوقت الذي كانت تحاول فيه الإمارات والسعودية استمالة بشار الأسد إلى المحور المعتدل وتعديل سلوكه لبدء إعادة اعمار سوريا.
وبينما كان الأسد يتعامل بتعجرف وبتأني شديدين مع المبادرة العربية لإعادة سوريا إلى المجتمع الدولي، كانت قطر وتركيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية تعمل على البديل الذي يتواجد في إدلب.
خلال تلك الفترة عقد الشرع عدة لقاءات صحفية حصريا لقناة الجزيرة والتي لا تظهر وجهه خصوصا مع الإعلامي المصري أحمد منصور المعروف بلقاءاته مع قادة الإرهاب الإسلامي.
ولأن قطر وتركيا على علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية فمن غير المستبعد أن يكون لهما دور محوري في تغيير قناعاته وتجنيده ليصبح الحاكم الجديد لسوريا كأفضل بديل متاح لبشار الأسد وللمعارضة المسلحة ذات التوجهات الإسلامية أما المعارضة العلمانية التي اختارت طريق السلمية فقد وجدت نفسها مهمشة وخارج الحسابات.
ثم جاءت حرب غزة التي كانت في البداية هجوما مدمرا على إسرائيل لتتمكن الأخيرة من قلب الطاولة على حماس وحزب الله وإيران من خلال ضربهم وقتل قادتهم وهو ما أضعف المحور الإيراني في سوريا بالتوازي مع استنزاف روسيا في أوكرانيا.
وهكذا أصبحت الظروف مواتية لإسقاط الرئيس بشار الأسد الذي كان يعتقد ومعه أغلب الناس حول العالم أنه انتصر في سوريا ولم يعد للمجتمع الدولي أي خيار سوى الجلوس معه والتفاوض ورفع العقوبات على دمشق.
وعندما بدأ الهجوم في أواخر عام 2024 على قوات الأسد، صدمت سرعة النصر حتى مُخططيه، كان قادة الثوار يتوقعون شهورًا من الحملات الشاقة للسيطرة على حلب، فضلًا عن حمص أو دمشق، بدلًا من ذلك، انهار جيش الأسد في كل مكان تقريبًا، مستسلمًا ومتراجعًا إلى دياره.
بدا واضحا للمراقبين أنه تمت صفقة سرية بين الأطراف المتنازعة في سوريا، على الأقل بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية والتي بموجبها يخرج بشار الأسد من السلطة مقابل حفاظ روسيا على قواعدها العسكرية في طرطوس.
وقع الثوار في فخ زخمهم فلو انتظروا لربما ادعى آخرون الانقلاب، في غضون أحد عشر يومًا، سقط ثلثا سوريا تحت سيطرة التحالف الجديد، ولم يبقَ سوى شمال شرق البلاد الكردي شبه مُستقل.
منذ ذلك الحين، قدّم الشرع الذي تخلى تمامًا عن اسمه الحركي، نفسه للعالم كقائد عالمي قادر على المناورة بين واشنطن وموسكو، حيث يحتفظ كل منهما بقواعد عسكرية داخل سوريا، ويُقيّمه كل منهما باحترام حذر.
لكن في الداخل، يواجه متاهة من التهديدات من الغارات الجوية إسرائيلية ضد التنظيمات المتطرفة، وجيوب مضطربة من الموالين للأسد، وسكان متعطشون لإعادة الإعمار والاستقرار بعد أكثر من عقد من الحرب، إضافة إلى داعش التي كفرته وتريد قتله.
