
يعيش الرئيس الروسي فلاديمير بوتين داخل شبكة من المخابئ والمنشآت المحصنة تحت الأرض، بينما يواصل إعلان انتصارات عسكرية مبالغ فيها داخل أوكرانيا بهدف إقناع الروس بأن قواته تتقدم باستمرار، وفق ما نقلته صحيفة Daily Star عن خبراء غربيين.
وتقول الصحيفة إن الكرملين بنى خلال الحرب رواية موازية للواقع الميداني، يعلن فيها سقوط مدينة تلو أخرى، حتى عندما تبقى هذه المناطق تحت السيطرة الأوكرانية أو تشهد قتالًا مستمرًا، في محاولة للتأثير على الرأي العام الروسي وإضعاف دعم الغرب لكييف.
بوتين يعلن الانتصارات من المخابئ
بحسب Daily Star، أصبح بوتين أكثر اعتمادًا على الملاجئ والمنشآت المحصنة منذ تصاعد الهجمات الأوكرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة داخل روسيا.
ويرى خبراء أن هذه الضربات دفعت الرئيس الروسي إلى الابتعاد أكثر عن مناطق الخطر، بينما يواصل الظهور في اجتماعات رسمية وإعلانات عسكرية يقدم خلالها صورة شديدة التفاؤل عن أداء جيشه.
وعلى النقيض، يزور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بصورة متكررة مواقع قريبة من الجبهة ويلتقي الجنود مباشرة، وهو ما تستخدمه كييف للرد على روايات موسكو بشأن السيطرة على بعض المدن.
كوبيانسك تكشف التناقض
قدمت مدينة كوبيانسك واحدة من أكثر الحالات وضوحًا في هذا الصراع الإعلامي، فقد أعلن بوتين أن القوات الروسية سيطرت على المدينة الواقعة شرق أوكرانيا، وقدم ذلك باعتباره انتصارًا جديدًا للجيش الروسي.
لكن زيلينسكي ظهر بعد ذلك داخل قطاع كوبيانسك نفسه، وسجل مقطع فيديو برفقة الجنود الأوكرانيين.
وقال زيلينسكي: «اليوم أنا في قطاع كوبيانسك مع مقاتلينا. زرت قواتنا وهنأتهم، وأشكر كل وحدة وكل من يقاتل هنا وكل من يدمر المحتل.»
وأضاف أن تحقيق النتائج على الجبهة أمر ضروري حتى تتمكن أوكرانيا من تحقيق نتائج في المسار الدبلوماسي، معتبرًا أن قوة البلاد داخليًا تتحول إلى قوة في المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب.
خبراء: موسكو تبني واقعًا بديلًا
تقول Daily Star إن المشهد نفسه تكرر في مناطق أخرى، حيث تعلن موسكو السيطرة على مواقع جديدة قبل أن يظهر مسؤولون أوكرانيون داخل هذه المناطق وينفوا الرواية الروسية عمليًا.
ويرى الباحث البريطاني بيتر ديكنسون من المجلس الأطلسي أن بوتين يحتاج إلى تضخيم المكاسب الروسية من أجل إضعاف معنويات الدول الغربية الداعمة لأوكرانيا ودفعها إلى الاعتقاد بأن استمرار المساعدات لن يغير نتيجة الحرب.
وقال ديكنسون إن الجيش الروسي قدم أداء أقل بكثير من المتوقع، وهو ما يدفع الكرملين إلى تعويض بطء التقدم على الأرض برسائل إعلامية أكثر قوة.
روسيا تسيطر على 20% فقط رغم سنوات الحرب
تدعم تصريحات مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف هذه الصورة، إذ قال إن روسيا تسيطر حاليًا على نحو 20% من الأراضي الأوكرانية.
وأشار إلى أنه عندما تولى منصبه قبل 18 شهرًا، كانت روسيا تسيطر على نحو 19%، ما يعني أن التقدم خلال تلك الفترة لم يتجاوز تقريبًا نقطة مئوية واحدة.
وقال راتكليف إن وتيرة التقدم الروسي توقفت تقريبًا بسبب التطور الكبير الذي حققته أوكرانيا في استخدام التقنيات الجديدة، وفي مقدمتها الطائرات المسيرة والحرب غير المتكافئة.
المسيرات الأوكرانية تستنزف الجنود الروس
بحسب مدير CIA، ساعد استخدام أوكرانيا المكثف للطائرات المسيرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي على موازنة الفارق الكبير في القوة البشرية بين الطرفين.
وقال إن متوسط العمر المتوقع للمجند الروسي الجديد عند وصوله إلى ساحة القتال يقدر حاليًا بما بين 20 و30 دقيقة فقط.
وأضاف أن السبب يعود إلى تطور الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة، التي أصبحت قادرة على اكتشاف الجنود وتتبعهم واستهدافهم بسرعة كبيرة.
وبحسب راتكليف، تحولت هذه الطائرات إلى «آلات قتل متخصصة ومنخفضة التكلفة»، ما جعل الهجمات البرية التقليدية أكثر خطورة بكثير على القوات الروسية.
زيلينسكي في الجبهة وبوتين بعيد عنها
تركز Daily Star بصورة كبيرة على التناقض بين صورة الرئيسين، فبينما يظهر زيلينسكي بصورة منتظمة في المناطق القريبة من القتال ويلتقي القوات الأوكرانية، نادرًا ما يظهر بوتين داخل الأراضي المحتلة أو بالقرب من خطوط الجبهة.
ويرى التقرير أن هذا الفارق أصبح جزءًا من الحرب الإعلامية نفسها، حيث تحاول كييف إظهار قيادتها باعتبارها حاضرة ميدانيًا، بينما تقدم موسكو روايتها العسكرية من مواقع محمية بعيدًا عن الحرب المباشرة.
في النهاية، لا يتعلق الصراع فقط بمن يسيطر على مدينة أو قرية، بل بمن ينجح في إقناع الداخل والخارج بأنه يملك اليد العليا.
وتقول الصحيفة البريطانية إن بوتين يحاول استخدام الانتصارات المعلنة لإقناع الروس بأن الحرب تسير وفق الخطة، كما يسعى في الوقت نفسه إلى التأثير على السياسيين الغربيين الذين يناقشون استمرار الدعم لأوكرانيا.
في المقابل، يحاول زيلينسكي الرد بالمشاهد الميدانية والظهور المباشر من المناطق التي تقول موسكو إنها سيطرت عليها، ليحول كل زيارة إلى أداة سياسية وإعلامية في معركة الروايات المستمرة بالتوازي مع القتال.
