
أسفرت الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الهند عن خطوة استراتيجية في قطاع الطاقة النووية، تمثلت في توقيع اتفاقية طويلة الأمد لتوريد اليورانيوم إلى المفاعلات النووية الهندية.
وتشمل الصفقة توريد كميات كبيرة من الوقود النووي الضروري لتشغيل المحطات النووية، في إطار خطط نيودلهي لتوسيع إنتاج الطاقة النووية خلال العقود المقبلة.
وبموجب الإتفاق، ستقوم شركة كاميكو الكندية، إحدى أكبر شركات تعدين اليورانيوم في العالم، بتوريد نحو 22 مليون رطل من اليورانيوم، أي ما يقارب 10 آلاف طن، خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2035. وتبلغ القيمة الإجمالية للعقد نحو 2.6 مليار دولار كندي، أي ما يعادل حوالي 1.9 مليار دولار أمريكي.
صفقة ثانية خلال شهر واحد
تأتي هذه الإتفاقية بعد أقل من شهر على إعلان الهند توقيع عقد مماثل مع شركة كازاتومبروم الحكومية في كازاخستان، وهي أكبر منتج لليورانيوم في العالم. ولم تُعلن حتى الآن تفاصيل الكميات أو القيمة المالية لتلك الصفقة.
وتُعد هذه العقود المتتالية جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تأمين إمدادات الوقود النووي اللازمة لخطة الهند الطموحة لتوسيع إنتاج الطاقة النووية. وتسعى نيودلهي إلى زيادة قدرتها النووية بأكثر من عشرة أضعاف بحلول عام 2047، وهو ما يتطلب تدفقات مستقرة من اليورانيوم على مدى سنوات طويلة.
احتياجات الهند من اليورانيوم
على الرغم من امتلاك الهند احتياطيات محلية من اليورانيوم، فإنها لا تزال تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتشغيل مفاعلاتها النووية. ويرجع ذلك إلى انخفاض جودة خام اليورانيوم في الرواسب المحلية، إذ تتراوح نسبة اليورانيوم فيها بين 0.02% و0.45% فقط، مقارنة بالمتوسط العالمي الذي يتراوح بين 1% و2%.
في المقابل، تحتوي بعض المناجم الكندية على خامات عالية التركيز تصل نسبة اليورانيوم فيها إلى 15%، وفق بيانات قدمتها شركة اليورانيوم الهندية المحدودة (UCIL)، وهي شركة حكومية مسؤولة عن تعدين اليورانيوم في البلاد، إلى لجنة برلمانية. ونتيجة لذلك، يصبح استخراج اليورانيوم محليًا أكثر تكلفة بكثير مقارنة باستيراده من الخارج.
حاليًا، يتم تلبية أكثر من 70% من احتياجات الهند من اليورانيوم عبر الواردات. ومع ذلك، يظل الإنتاج المحلي مهمًا لأسباب استراتيجية، إذ يوفر احتياطيًا في حال تعطل الإمدادات الخارجية، كما يُستخدم لتلبية احتياجات البرنامج النووي العسكري.
الطلب الهندي على الوقود النووي
تستهلك الهند سنويًا ما بين 1500 و2000 طن من اليورانيوم لتشغيل مفاعلاتها النووية. وفي عام 2025 بلغ الاستهلاك نحو 1884 طنًا، بحسب بيانات الرابطة النووية العالمية.
لكن الطلب مرشح للارتفاع بشكل كبير خلال السنوات المقبلة مع توسع البرنامج النووي المدني. ووفق تقديرات شركة UCIL، قد يصل الطلب السنوي إلى 5400 طن، مع إمكانية إنتاج نحو 30% فقط من هذه الكمية محليًا.
وتسعى الحكومة الهندية إلى رفع القدرة المركبة للطاقة النووية من 9 جيجاواط حاليًا إلى نحو 100 جيجاواط بحلول عام 2047، في إطار خططها لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
توسيع انتاج اليورانيوم في الهند
يتركز تعدين اليورانيوم في الهند بشكل أساسي في ولايتي جهارخاند وأندرا براديش، حيث تعمل سبعة مناجم رئيسية. كما توجد رواسب إضافية في ولايات ميغالايا وراجستان وتيلانجانا إلى جانب عدد من المناطق الأخرى.
وتشير التقديرات الحالية إلى أن إجمالي احتياطيات خام اليورانيوم في الهند يبلغ نحو 430 ألف طن، منها أكثر من 80 ألف طن في المناجم التابعة لشركة UCIL. وقد تم استخراج حوالي 40% من هذه الاحتياطيات حتى الآن.
وفي الوقت نفسه، تُجرى عمليات استكشاف في 15 ولاية هندية بحثًا عن رواسب جديدة يمكن أن تدعم التوسع المستقبلي في إنتاج الوقود النووي.
وتعكس عقود التوريد الجديدة، بما في ذلك الاتفاق مع الشركة الكندية، رغبة الهند في تنويع مصادر إمدادات اليورانيوم لضمان استقرار سلسلة التوريد في ظل الزيادة المتوقعة في الطلب.
كما تشير الصفقة مع كندا إلى تحسن العلاقات الثنائية بين البلدين بعد فترة من التوتر السياسي في السنوات الأخيرة.
تاريخ طويل من التعاون النووي بين الهند ودول أخرى
ليست هذه المرة الأولى التي تزود فيها شركة كاميكو الهند باليورانيوم، إذ سبق أن قامت بذلك بين عامي 2020 و2021.
وترتبط الهند وكندا بعلاقات طويلة في المجال النووي تعود إلى خمسينيات القرن الماضي. وكان مفاعل سيروس (CIRUS)، ثاني مفاعل نووي في الهند، مشروعًا مشتركًا بين البلدين. كما ساهمت كندا في إنشاء مفاعلات نووية ضمن مشروع راجستان للطاقة الذرية خلال ستينيات القرن الماضي.
وبفضل الاتفاقية الجديدة، أصبحت الهند تستورد اليورانيوم من أربع دول رئيسية هي: أوزبكستان، وكازاخستان، وكندا، وروسيا. كما التزمت موسكو بتوريد الوقود النووي مدى الحياة للمفاعلات التي يتم بناؤها في محطة كودانكولام النووية في ولاية تاميل نادو.
ومن المرجح أن توقع الهند اتفاقيات إضافية في السنوات المقبلة مع دول مثل أستراليا والولايات المتحدة، كما تدرس الشركات الهندية فرص الاستثمار في مشاريع تعدين اليورانيوم خارج البلاد.
البرنامج النووي الهندي ذو المراحل الثلاث
على المدى الطويل، تطمح الهند إلى تنفيذ برنامجها النووي المعروف باسم البرنامج ذو المراحل الثلاث، والذي يعتمد في مرحلته النهائية على استخدام الثوريوم بدلًا من اليورانيوم.
تمتلك الهند احتياطيات ضخمة من الثوريوم، وهو عنصر يمكن أن يوفر مصدرًا مستدامًا للطاقة النووية ويمنح البلاد قدرًا أكبر من الاستقلال في مجال الطاقة.
ويقوم البرنامج على ثلاث مراحل متتالية، تبدأ باستخدام مفاعلات تعمل باليورانيوم، ثم الانتقال إلى مفاعلات سريعة التوليد قادرة على إنتاج وقود إضافي، وصولًا في النهاية إلى مفاعلات تعتمد على الثوريوم كوقود رئيسي.
وقد خطت الهند بالفعل خطوة نحو المرحلة الثانية من البرنامج عبر إنشاء مفاعل سريع تجريبي في كالباكام، وهو يقترب من بدء التشغيل.
أما المرحلة الثالثة، التي تعتمد على الثوريوم بشكل أساسي، فما تزال هدفًا بعيد المدى. وقد طُرحت فكرة هذا البرنامج لأول مرة في الخمسينيات، وتظل الهند حتى اليوم الدولة الوحيدة التي تسعى إلى تنفيذه بشكل كامل، رغم أن التقدم في تحقيقه كان بطيئًا نسبيًا حتى الآن.
