
كشفت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية أن جماعة الحوثي المدعومة من إيران طالبت السعودية بدفع 51 مليار دولار، إلى جانب الاعتراف الرسمي بها باعتبارها السلطة الحاكمة في اليمن، مقابل التوصل إلى اتفاق ينهي الهجمات العسكرية على المملكة، في مطالب تعكس حجم الضغوط التي تواجهها الرياض بعد تجدد المواجهات في اليمن والبحر الأحمر.
وبحسب تقرير نشرته الصحيفة الخميس 5 نوفمبر 2026، نقلًا عن أشخاص مطلعين على المحادثات، فإن السعودية تواصلت مع الحوثيين لاستكشاف شروط التوصل إلى تسوية تفاوضية، بعدما استهدفت الجماعة ناقلات نفط سعودية في البحر الأحمر وسيطرت على مناطق استراتيجية مطلة على مضيق باب المندب.
وكان رد الحوثيين المطالبة بمبلغ 51 مليار دولار، قالوا إنه يمثل تعويضًا عن سنوات من الضربات الجوية السعودية والقيود المفروضة على اليمن خلال الحرب، مع اشتراط اعتراف الرياض بشرعية حكمهم.
ورغم أن أرقامًا مالية أخرى طُرحت خلال الاتصالات اللاحقة، فإن المطالب ظلت تدور حول عشرات المليارات من الدولارات، دون إعلان التوصل إلى اتفاق أو موافقة السعودية على دفع أي مبلغ.
الحوثيون يطالبون السعودية بالمال والاعتراف بحكم اليمن
لا تقتصر مطالب الحوثيين على التعويضات المالية، إذ تسعى الجماعة أيضًا إلى الحصول على اعتراف سياسي رسمي من السعودية بسلطتها على اليمن، وهو ما قد يمثل تحولًا جذريًا في موقف الرياض التي تدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
وتكمن خطورة هذا الشرط بالنسبة إلى المملكة في أنه قد يمنح الحوثيين شرعية سياسية أوسع، ويضع على حدودها الجنوبية سلطة مسلحة مرتبطة بإيران، بعد أكثر من عقد من المواجهات العسكرية.
ومنذ تدخل التحالف بقيادة السعودية في اليمن عام 2015، سعت الرياض إلى منع الجماعة من السيطرة الكاملة على البلاد، لكن الحوثيين تمكنوا من الحفاظ على مواقعهم الرئيسية في الشمال، وتطوير قدراتهم الصاروخية والجوية بدعم إيراني.
وتشير وول ستريت جورنال إلى أن المطالب الجديدة جاءت في وقت تمكنت فيه الجماعة من توسيع مناطق نفوذها، وزيادة الضغط العسكري على السعودية، بما في ذلك استهداف منشآت نفطية ومطارات وطرق شحن حيوية.
وتثير المطالبة بمبلغ 51 مليار دولار مخاوف من تحول المفاوضات إلى وسيلة للحصول على تنازلات مالية وسياسية تحت ضغط الهجمات العسكرية، خصوصًا إذا لم تتضمن أي تسوية ضمانات قابلة للتحقق تمنع تجدد التصعيد.
هجمات الحوثيين على السعودية تضيق خيارات محمد بن سلمان
تواجه القيادة السعودية معضلة متزايدة بشأن كيفية التعامل مع الحوثيين، في ظل صعوبة تحقيق حسم عسكري سريع، وارتفاع التكاليف المحتملة لأي عملية برية واسعة داخل اليمن.
وبحسب مسؤولين سعوديين تحدثوا إلى وول ستريت جورنال، فإن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لا يرغب في تقديم تنازلات كبيرة دون تحقيق مكاسب عسكرية تمنح المملكة أوراق ضغط أقوى على طاولة المفاوضات.
وفي المقابل، يخشى أن يؤدي إرسال قوات برية إضافية إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات سياسية واجتماعية داخل المملكة.
وتزداد هذه الحسابات تعقيدًا مع استمرار الحوثيين في استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لاستهداف منشآت الطاقة والمطارات السعودية، وهي هجمات يمكن أن تسبب أضرارًا اقتصادية وأمنية حتى دون إلحاق خسائر عسكرية كبيرة.
وفي تطور يعكس استمرار التصعيد، أعلنت السعودية الخميس اعتراض صاروخ باليستي استهدف منطقة المدينة المنورة، بينما أصدرت السلطات تحذيرات بشأن مخاطر محتملة في ينبع، إحدى أهم مناطق تصدير النفط على البحر الأحمر.
وتشكل هذه الهجمات ضغطًا إضافيًا على المملكة، التي تسعى إلى الحفاظ على استقرار اقتصادها وجذب الاستثمارات الأجنبية ضمن مشروعات رؤية 2030.
باب المندب يتحول إلى ورقة ضغط على السعودية
تكتسب التطورات العسكرية في اليمن أهمية تتجاوز الحدود السعودية، بسبب الموقع الاستراتيجي لمضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويشكل أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.
وكان الحوثيون قد وسعوا نفوذهم خلال الأشهر الماضية على مناطق ساحلية قريبة من المضيق، ما عزز قدرتهم على تهديد حركة الملاحة وناقلات النفط.
وأصبح هذا الممر أكثر أهمية بالنسبة إلى السعودية بعد الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، إذ تعتمد المملكة على موانئ البحر الأحمر لتصدير جزء مهم من نفطها إلى الأسواق العالمية.
ويمنح هذا الوضع الحوثيين قدرة على ممارسة ضغوط اقتصادية تتجاوز حجم قواتهم مقارنة بالقوات المسلحة السعودية، لأن تعطيل الملاحة أو استهداف ناقلات النفط قد يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في ثقة المستثمرين.
لكن السيطرة على مناطق مطلة على باب المندب لا تعني بالضرورة السيطرة الكاملة على المضيق، إذ لا تزال المنطقة تشهد مواجهات عسكرية متغيرة بين الحوثيين والقوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية.
الحوثيون يقتربون من عدن والسعودية تواجه خيارات صعبة
يتزامن الضغط على السعودية مع تجدد المعارك داخل اليمن، حيث حقق الحوثيون مكاسب ميدانية خلال الأشهر الماضية واقتربوا من مدينة عدن، التي تتخذها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا مقرًا رئيسيًا لها.
وبحسب وول ستريت جورنال، وصلت قوات الحوثيين إلى مسافة تقارب 80 كيلومترًا من المدينة، وهي من أقرب المواقع التي بلغتها الجماعة منذ عام 2015.
وتزيد هذه التطورات من أهمية المعركة بالنسبة إلى الرياض، لأن سقوط عدن في أيدي الحوثيين قد يضعف بصورة كبيرة الحكومة اليمنية المدعومة سعوديًا، ويمنح الجماعة نفوذًا أوسع في أي مفاوضات مستقبلية.
وفي الوقت نفسه، تواجه السعودية صعوبات في الحصول على دعم عسكري هجومي واسع من حلفائها، بعدما انسحبت الإمارات من الحملة، ورفضت باكستان المشاركة في عمليات هجومية داخل اليمن، بينما اقتصر الدعم المصري المعلن على الأدوار الدفاعية.
كما امتنعت الولايات المتحدة عن تقديم مشاركة عسكرية مباشرة جديدة ضد الحوثيين، رغم استمرار التعاون الأمني والدفاعي مع المملكة.
هل تدفع السعودية 51 مليار دولار لإنهاء الحرب؟
لا توجد حتى الآن مؤشرات مؤكدة على استعداد السعودية لقبول المطالب المالية والسياسية التي طرحها الحوثيون، خصوصًا أن الاعتراف بالجماعة بوصفها السلطة الحاكمة في اليمن قد تكون له تبعات استراتيجية تتجاوز تكلفة التعويضات المطلوبة.
وحذر ماجد المذحجي، المؤسس المشارك لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، من أن المشكلة الأكبر لا تتعلق بالمبلغ المالي وحده، بل بإمكانية خلق سابقة تسمح للجماعة باستخدام التصعيد العسكري للحصول على أموال أو تنازلات جديدة كلما أرادت ذلك.
وفي المقابل، يواجه الخيار العسكري تحديات كبيرة، لأن سنوات من الضربات الجوية لم تنجح في إنهاء القدرات القتالية للحوثيين، بينما قد تتطلب العمليات البرية الواسعة موارد وخسائر بشرية مرتفعة.
وتجد الرياض نفسها بذلك أمام معادلة معقدة: الاستمرار في المواجهة مع جماعة تمتلك القدرة على تهديد منشآتها الحيوية، أو البحث عن تسوية قد تتضمن تنازلات مالية وسياسية لا ترغب في تقديمها.
وتكشف المطالب الحوثية الأخيرة عن تحول مهم في ميزان التفاوض، بعدما أصبحت الجماعة تستخدم الهجمات على البنية التحتية السعودية وتهديد الملاحة في البحر الأحمر لزيادة الضغط على المملكة.
لكن نتيجة هذه الضغوط لا تزال غير محسومة، إذ لم تعلن السعودية قبول المطالب، كما لم تتضح الضمانات التي يمكن أن يقدمها الحوثيون مقابل وقف الهجمات.
وبين المطالبة بـ51 مليار دولار والاعتراف السياسي، تبدو المفاوضات المحتملة أبعد من مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، لأنها تمس مستقبل السلطة في اليمن وأمن الحدود السعودية وموازين النفوذ الإيراني في المنطقة.
