
قبل أقل من تسعة أشهر، بدت السعودية واثقة بما يكفي لتأييد مطالبة الإمارات بسحب ما تبقى من قواتها من اليمن خلال 24 ساعة. والآن يتقدم الحوثيون على الساحل الغربي، فقد استولوا على ميناء المخا، ووصلوا إلى جزر ومواقع استراتيجية عند باب المندب، فيما الرياض مصدومة مما يحدث.
بالعودة إلى 30 ديسمبر 2025، فقد أعلنت السعودية أن أمنها القومي «خط أحمر»، وأيدت قرار مجلس القيادة الرئاسي اليمني الذي طالب القوات الإماراتية بمغادرة البلاد، في ذروة الخلاف بين الرياض وأبوظبي بشأن المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً. وبعد أيام، أعلنت الإمارات اكتمال انسحاب ما تبقى من قواتها العسكرية.
أهمية الإمارات في اليمن
تعد الإمارات دولة خليجية حليفة للملكة السعودية، وهي تملك نفوذًا وخبرة وعلاقات ومصالح مباشرة في اليمن والبحر الأحمر وباب المندب وخبرة كبرى في مواجهة الإرهاب.
وعلى عكس تركيا وباكستان ودول أخرى عولت عليها الرياض كي تتحرك من أجلها في الحرب الإيرانية الواسعة في الشرق الأوسط، كانت أبوظبي الوحيدة التي تحركت عسكريا في الصراع السعودي ضد الحوثي.
وتبنت الإمارات رؤية تبدو مثيرة للجدل لكنها أكثر واقعية مما تحاول الرياض فعله في اليمن، إذ تدعم أبوظبي المجلس الانتقالي ومشروع انفصال الجنوب لحصار الحوثي من الجنوب وبناء تكثل قوي ضده ودولة مستقلة وأقوى في الجنوب حليفة للسعودية والإمارات.
استثمرت الإمارات لسنوات في تشكيل قوات محلية وفي الساحل والموانئ ومكافحة الجماعات المتشددة بما فيها بعض الجماعات الإسلامية التي تحصل على الدعم من السعودية، وحتى بعد تقليص وجودها العسكري المباشر سابقاً، ظلت صاحبة نفوذ واسع من خلال حلفائها اليمنيين.
وفي يناير الماضي نفسها، ذكّرت أبوظبي أمام مجلس الأمن بدورها في تحرير عدن ومكافحة تنظيم القاعدة في المكلا وتأمين أجزاء من الساحل الغربي.
الرياض ربحت خلافها مع أبوظبي وخسرت شيئاً أكبر
لم تكن السعودية والإمارات تنظران إلى اليمن بالطريقة نفسها، فقد أرادت الرياض في الأساس دولة يمنية موحدة أو على الأقل سلطة مركزية موالية لها تمنع الحوثيين وإيران من بناء منطقة نفوذ دائمة على حدودها الجنوبية. أما أبوظبي فركزت أكثر على الجنوب والسواحل والموانئ والممرات البحرية، وبنت علاقات قوية مع المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات محلية متعددة.
هذا الاختلاف تحول بمرور الوقت من توزيع للأدوار إلى تنافس مفتوح، وفي نهاية 2025 انفجر الخلاف بعد تقدم قوات المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة.
دعمت السعودية القوات المناهضة له، ونفذت ضربات ضد مواقع مرتبطة به، ثم استعادت قوات مدعومة من الرياض مناطق بينها المكلا. وبعد ذلك جاء خروج القوات الإماراتية المتبقية من اليمن.
من منظور سعودي ضيق، بدا ذلك انتصاراً إذ جرى كبح المجلس الانتقالي وتقليص النفوذ العسكري الإماراتي المباشر وتعزيز سلطة الحلفاء الأقرب إلى الرياض، لكن الحروب لا تُقاس بمن ربح الجولة داخل معسكره، بل بمن استفاد منها في المعسكر المقابل، والمستفيد الأكبر كان الحوثي.
الحوثي استغل الخلاف الإماراتي السعودية لمصلحته
المعضلة التي عانت منها القوى المناهضة للحوثيين طوال الحرب اليمنية لم تكن دائماً ضعف السلاح أو المال، بل غياب الهدف السياسي والعسكري الموحد.
الحكومة المعترف بها دولياً، والمجلس الانتقالي، وقوات طارق صالح، وحزب الإصلاح، والقوى القبلية والمحلية، والسعودية والإمارات؛ جميعها وقفت ضد الحوثيين، لكنها لم تكن تقاتل دائماً من أجل اليمن نفسه ولا من أجل النتيجة السياسية ذاتها.
استفاد الحوثيون من هذه الحقيقة أكثر من مرة، وفي سبتمبر 2026 أصبحت النتيجة أكثر خطورة. سيطر الحوثيون على ميناء المخا على البحر الأحمر وتقدموا عبر الساحل والجزر القريبة من باب المندب، قبل أن يوسعوا وجودهم في جزر حنيش وجزيرة بريم الواقعة عند المضيق نفسه.
وهذه ليست مجرد خسارة قطعة أخرى من الأراضي اليمنية، إذ أن باب المندب واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
وفي الوقت الذي تعرضت فيه حركة النفط عبر مضيق هرمز لضغوط شديدة بسبب الحرب الإقليمية، أصبحت الموانئ السعودية على البحر الأحمر وخط أنابيب الشرق-الغرب أكثر أهمية للرياض، والآن مع سيطرة الحوثي على باب المندب أصبحت الرياض في خطر كبير وهذا هو ثمن طرد الإمارات من اليمن.
