
تستعد السعودية لعملية عسكرية جديدة ضد جماعة الحوثيين في اليمن، بعدما سيطرت الجماعة خلال الأسابيع الماضية على مواقع ساحلية استراتيجية وصولًا إلى مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مسؤولين إقليميين وغربيين مطلعين على الاستعدادات.
وبحسب ستة أشخاص تحدثوا إلى الوكالة، تدرس الرياض خيارين رئيسيين: هجوم محدود يركز على المنطقة المحيطة بباب المندب لتأمين الملاحة في البحر الأحمر، أو عملية أوسع تشمل هجمات متزامنة على عدة جبهات داخل اليمن، من بينها البيضاء ومأرب وتعز والجوف.
أكثر من 100 ألف جندي يمني قد يشاركون
لن تعتمد الخطة، وفق الرواية المنشورة، على دخول قوات سعودية برية كبيرة إلى اليمن، بل على قوات يمنية تشرف عليها الرياض وتعمل بدعم من الغارات الجوية السعودية.
وقد تتم تعبئة أكثر من 100 ألف جندي يمني إذا اختارت السعودية السيناريو الأوسع، بينما سيختلف حجم القوات المستخدمة إذا اقتصرت العملية على استعادة المناطق القريبة من باب المندب والساحل الغربي.
ومن المتوقع أن تبدأ العملية خلال الأسابيع المقبلة، إلا أن المصادر لم تتفق على موعد محدد، إذ تراوحت التقديرات بين إمكانية إطلاقها خلال أسبوع واحد وبين تأجيلها إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في أوائل نوفمبر.
الهدف: استعادة باب المندب
يتمثل الهدف الرئيسي في عكس المكاسب التي حققها الحوثيون خلال سبتمبر، بعدما تقدموا على طول الساحل اليمني وسيطروا على مضيق باب المندب، ما منحهم نفوذًا مباشرًا على أحد أهم طرق التجارة والطاقة بين آسيا والبحر المتوسط.
وتكتسب السيطرة على المضيق أهمية أكبر في الظروف الحالية بسبب الاضطرابات التي أصابت مضيق هرمز، ما جعل البحر الأحمر وباب المندب أكثر أهمية بالنسبة إلى حركة النفط والتجارة الدولية.
ويرى مسؤولون غربيون وخليجيون تحدثوا إلى رويترز أن الرياض خلصت إلى صعوبة العودة إلى مفاوضات سلام جديدة مع الحوثيين ما دامت الجماعة تسيطر على باب المندب، لأن ذلك يمنحها ورقة ضغط تتجاوز حدود اليمن وتمتد إلى حركة الملاحة العالمية.
دعم أمريكي استخباراتي من دون مشاركة قتالية
تقدم الولايات المتحدة بالفعل معلومات استخباراتية ودعمًا استشاريًا للعمليات السعودية في اليمن، بما في ذلك معلومات مرتبطة بالاستهداف، إلا أن واشنطن لا يُتوقع أن تشارك مباشرة في الهجوم البري أو الجوي المخطط له في الوقت الحالي.
كما تقدم دول إقليمية وأوروبية مساعدات عسكرية للسعودية تركز بصورة أساسية على الدفاع الجوي وحماية المنشآت الاستراتيجية من الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية، بينما لا يتوقع أن تدخل هذه الدول في القتال المباشر إلى جانب القوات اليمنية والسعودية.
وتعكس هذه الصيغة رغبة الرياض، وفق التقرير، في إبقاء العملية تحت قيادة سعودية ويمنية، مع الاستفادة من دعم الحلفاء في الاستخبارات والدفاع من دون تحويلها إلى حملة دولية واسعة.
هجوم محدود أم حرب على عدة جبهات؟
الخيار الأول الذي تدرسه الرياض هو عملية مركزة على الساحل الغربي والمناطق المحيطة بباب المندب، بهدف دفع الحوثيين بعيدًا عن المضيق وإعادة فتح الطريق البحري بصورة أكثر أمانًا.
أما الخيار الثاني فهو أكثر طموحًا وخطورة، لأنه يتضمن هجمات متزامنة في البيضاء ومأرب وتعز والجوف، بما قد يجبر الحوثيين على توزيع قواتهم على عدة جبهات بدل تركيزها في الساحل.
وقال مايكل راتني، السفير الأمريكي السابق لدى السعودية، إنه يتوقع أن تكون أي عملية جديدة أضيق بكثير من التدخل السعودي الذي بدأ عام 2015، وأن تركز أساسًا على استعادة الوضع الذي كان قائمًا قبل سيطرة الحوثيين على المناطق المحيطة بباب المندب.
العقبة الأكبر: القوات المناهضة للحوثيين
رغم ضخامة العدد المحتمل للقوات، لا يعني حشد أكثر من 100 ألف مقاتل أن العملية ستكون سهلة، إذ لا تزال القوات اليمنية المناهضة للحوثيين موزعة بين تشكيلات وفصائل مختلفة، بعضها تلقى الدعم من السعودية وبعضها الآخر من الإمارات خلال مراحل سابقة من الحرب.
ويرى محللون أن قدرة هذه القوات على العمل ضمن قيادة موحدة والمحافظة على زخم هجوم طويل ستكون أحد العوامل الحاسمة في نجاح العملية، خصوصًا في مواجهة الحوثيين الذين راكموا خلال سنوات الحرب خبرة كبيرة في القتال البري واستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة.
ولهذا فإن حجم العملية التي ستختارها الرياض سيحدد مستوى المخاطرة: فالهجوم المحدود حول باب المندب قد يكون أكثر قابلية للسيطرة، بينما يمكن لفتح عدة جبهات في الوقت نفسه أن يحول الحملة إلى مواجهة واسعة وطويلة.
السعودية أمام اختبار جديد في اليمن
إذا بدأت العملية بالفعل خلال الأسابيع المقبلة، فستكون واحدة من أكبر محاولات السعودية لتغيير ميزان القوى في اليمن منذ سنوات، لكنها ستأتي بهدف مختلف نسبيًا عن حملة 2015.
فالتركيز هذه المرة، بحسب الرواية التي نقلتها رويترز، ليس على إسقاط سيطرة الحوثيين على كامل شمال اليمن، بل على كسر قبضتهم على باب المندب والساحل وإزالة ورقة الضغط التي يمنحهم إياها التحكم في طريق بحري بالغ الحساسية.
وحتى الآن، تبقى الخطة قيد الإعداد، ولم تعلن السعودية أو الحكومة اليمنية موعدًا رسميًا للعملية أو حجمها النهائي، بينما تشير المصادر المطلعة إلى أن القرار بين الهجوم المحدود والحملة متعددة الجبهات لم يُحسم بعد.
