
أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رسميًا مؤخرًا أن أوكرانيا أجرت بنجاح أول اختبار قتالي لصاروخها الباليستي الجديد محلي الصنع FP-7.
ورغم أن الهدف الدقيق لهذا الهجوم لم يُكشف عنه بالكامل، فإن تأثير هذا الاختبار لا يقتصر على الانفجار المباشر الذي أحدثه.
وتكمن الأهمية الحقيقية والاستراتيجية لهذا الإعلان في أن أوكرانيا تستعد الآن لتوسيع قدراتها المحلية في تصنيع الصواريخ وصولًا إلى الإنتاج الضخم، بدلًا من الاستمرار في الاعتماد على إمدادات الأسلحة الغربية وحدها.
وبالتزامن مع نجاح أوكرانيا في اختبار صاروخ FP-7، ظهرت بعض التطورات التي تكشف عن القلق المتزايد لدى موسكو.
إذ تتوالى التقارير عن محاولات لاستهداف القيادة العليا لشركة «فاير بوينت»، وهي الجهة الرئيسية المنتجة لهذه الصواريخ الباليستية الجديدة في أوكرانيا.
وإلى جانب التطوير التقني، تُبذل أيضًا محاولات لاستهداف أبرز المخططين الاستراتيجيين الأوكرانيين الذين يضعون الخطط للهجمات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية.
قد تبدو مواصفات صاروخ FP-7 في مرحلته الأولى غير مثيرة للإعجاب عند النظر إليها للوهلة الأولى، لكن تأثيره التكتيكي بالغ الدقة بالنظر إلى واقع الجبهة القتالية.
إن الظهور القتالي الناجح لصاروخ FP-7 الأوكراني يحمل تأثيرًا أعمق بكثير من مجرد خبر يتصدر العناوين ليوم واحد.
فهذه الحرب لا تتعلق فقط بحملات عسكرية صغيرة ستُخاض خلال الشهر أو الشهرين المقبلين، بل هي معركة تتعلق بالإنتاج الصناعي والاكتفاء الذاتي التقني والتوازن الاقتصادي للدفاع الجوي خلال العام أو العامين المقبلين.
يتراوح مدى هذا الصاروخ بين 250 و300 كيلومتر، ويمكنه حمل رأس حربي يزن نحو 150 كيلوغرامًا. وقد لا تبدو هذه المواصفات مميزة للغاية عند سماعها للمرة الأولى.
لكن إذا قارناه بمتوسط الطائرات المسيرة الهجومية الأوكرانية، التي تتراوح سرعتها بين 150 و200 كيلومتر في الساعة ولا تستطيع حمل سوى 30 إلى 50 كيلوغرامًا من المتفجرات، فإن الصاروخ يتفوق عليها بدرجة كبيرة.
ورغم أن مداه البالغ 250 إلى 300 كيلومتر لا يتيح الوصول مباشرة إلى موسكو أو سانت بطرسبرغ، فإنه يضع مراكز لوجستية رئيسية وتجمعات عسكرية أمامية، مثل بيلغورود وروستوف على الدون، مباشرة ضمن نطاق استهدافه.
تحمل الطائرات المسيرة الأوكرانية بعيدة المدى، في المتوسط، حمولة تتراوح بين 30 و50 كيلوغرامًا. وبالمقارنة، فإن الحمولة البالغة 150 كيلوغرامًا لصاروخ FP-7 أثقل بنحو مرتين إلى ثلاث مرات.
وعندما يسقط هذا الرأس الحربي بسرعة هائلة، تكون طاقته الحركية قادرة على تدمير المخابئ تحت الأرض والمنشآت الخرسانية المسلحة ومستودعات الذخيرة بالكامل.
وبينما تحتاج الطائرة المسيرة إلى ساعة أو ساعتين للوصول إلى هدفها، يقطع الصاروخ الباليستي المسافة نفسها خلال دقيقتين إلى أربع دقائق، وهو ما لا يمنح الجنود الروس فرصة للاختباء داخل المخابئ أو نقل المعدات بعيدًا.
أما التأثير الأكثر دقة والأبعد مدى لصاروخ FP-7، فتشعر به شبكة الدفاع الجوي الروسية على مسافة مئات الكيلومترات من ساحة المعركة.
فلا توجد دولة تمتلك ما يكفي من أنظمة الدفاع الجوي لتأمين كل مدينة وكل موقع استراتيجي في الوقت نفسه، وفي حالة روسيا تبدو هذه الأزمة أكثر عمقًا.
وخلال الأشهر الأخيرة، نفذت أوكرانيا هجمات إغراق واسعة النطاق حول موسكو باستخدام مئات الطائرات المسيرة الهجومية الرخيصة.
وللتعامل مع هذه الهجمات، اضطرت روسيا إلى سحب أنظمة صواريخ أرض جو المتطورة، مثل «إس-300» و«إس-400»، من قواعد بعيدة في القطب الشمالي ومناطق حساسة أخرى، وإعادة نشرها حول العاصمة موسكو.
والآن تواجه روسيا معضلة استراتيجية معقدة، إذ إن إبقاء بطاريات الدفاع الجوي المضادة للصواريخ الباليستية متمركزة حول موسكو وحدها سيترك بيلغورود وروستوف والمطارات العسكرية ومراكز القيادة الأمامية مكشوفة أمام الاستهداف المباشر بصواريخ FP-7.
ولا ينتهي برنامج تطوير الصواريخ الأوكراني عند FP-7، بل يمثل هذا الصاروخ في الواقع المرحلة الأولى من سلسلة أوسع.
ووفقًا لمحللين دفاعيين، تعمل أوكرانيا بالتوازي على تطوير نموذج أكثر تقدمًا يحمل اسم FP-9، وقد تظهر اختباراته بحلول نهاية عام 2026 أو منتصف عام 2027.
وسيكون صاروخ FP-9 المستقبلي قادرًا على حمل رأس حربي يزن نحو 800 كيلوغرام، مقارنة بالرأس الحربي لصاروخ FP-7، بينما سيبلغ مداه نحو 850 كيلومترًا.
وتمتلك أوكرانيا حاليًا بعض صواريخ كروز بعيدة المدى، مثل صاروخ «فلامينغو». لكن صواريخ كروز تطير بسرعات دون سرعة الصوت، وهو ما يجعل تعقبها وإسقاطها أسهل نسبيًا بالنسبة إلى أنظمة الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية الروسية.
