
رسمت صحيفة لوموند الفرنسية صورة قاتمة لمساحة النقاش الاقتصادي في الجزائر، معتبرة أن التحليل الذي يخرج عن الخط الرسمي أو يشكك في جدوى المشاريع الحكومية يمكن أن يتحول إلى قضية جنائية، في وقت تتزامن فيه هذه الحساسية مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتصاعد الجدل حول قدرة السلطة على تقبل الأرقام التي تناقض روايتها الاقتصادية.
وجاءت قراءة الصحيفة بعد الحكم على الأكاديمي جلول سلامة بالسجن أربع سنوات في 15 أكتوبر 2026، بعدما كان موقوفًا احتياطيًا منذ فبراير على خلفية تصريحات شكك فيها في الجدوى الاقتصادية لمشروع منجم غارا جبيلات، أحد المشاريع التي تراهن عليها الدولة الجزائرية في سياستها الصناعية والتنموية.
أربع سنوات بسبب رأي اقتصادي
بحسب لوموند، تمت ملاحقة جلول سلامة استنادًا، من بين مواد أخرى، إلى المادة 196 مكرر من قانون العقوبات، التي تجرّم نشر «أخبار كاذبة من شأنها المساس بالنظام العام».
وترى الصحيفة أن خطورة القضية تكمن في أن التصريحات التي قادته إلى السجن لم تكن دعوة سياسية مباشرة، بل تقييمًا فنيًا لجدوى مشروع اقتصادي.
وكان سلامة قد أثار الشكوك حول مشروع غار جبيلات قرب تندوف، وهو منجم ضخم للحديد يرتبط بخط سكة حديدية يمتد لنحو ألف كيلومتر بهدف نقل الخام إلى المراكز الصناعية في شمال البلاد. لكن الانتقادات التي يطرحها بعض الاقتصاديين والمهندسين تتركز على أن النموذج يقوم بدرجة كبيرة على استخراج الخام ونقله، بدل تعظيم قيمته عبر التصنيع والتحويل محليًا.
«إقصاء الخبرة من النقاش العام»
أثار الحكم على سلامة انتقادات حادة داخل الجزائر، ومن أبرزها موقف القاضية السابقة والمحامية زبيدة عسول، التي وصفت القضية بأنها مثال على إقصاء الخبرة من النقاش العام ومحاولة إسكات الأصوات المتخصصة.
ومن زاوية لوموند، لا تتعلق المسألة بشخص واحد فقط، بل بخط فاصل أصبح أكثر غموضًا بين مكافحة المعلومات الكاذبة وبين تجريم النقاش الاقتصادي نفسه، خصوصًا عندما تمس الآراء مشاريع استراتيجية أو ملفات مرتبطة مباشرة بصورة الأداء الحكومي.
وزير يتحدث عن الطماطم ثم يفقد الداخلية
تربط الصحيفة بين قضية جلول سلامة وحادثة أخرى أكثر دلالة على حساسية الأرقام داخل السلطة الجزائرية، تتعلق بالوزير سعيد سعيود.
في 28 سبتمبر، وخلال مراسم تنصيب والي قصر البخاري، انتقد سعيود الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية وقال إنه، رغم بلوغه الستين من العمر، لم يسبق له أن رأى سعر الطماطم يصل إلى 200 دينار للكيلوغرام في أغسطس، بعدما كان السعر في الماضي أدنى بكثير.
وكان الوزير يوجه غضبه أساسًا إلى المضاربين والوسطاء، مؤكدًا أن الغلاء يضر بالمواطنين وبالقدرة الشرائية، لكن تصريحاته سرعان ما أصبحت جزءًا من خلاف سياسي، إذ انتقد الرئيس عبد المجيد تبون حديثه عن الأسعار واعتبره مبالغًا فيه. وبعد أيام، فقد سعيود حقيبة الداخلية وبقي وزيرًا للنقل فقط في التعديل الحكومي الذي جرى في 13 أكتوبر.
الأسعار نفسها تؤكد حجم الأزمة
المفارقة أن وسائل إعلام جزائرية محلية وثقت بالفعل ارتفاعات كبيرة في الأسعار خلال الفترة نفسها، إذ وصلت الطماطم في بعض الأسواق إلى ما بين 170 و200 دينار، والبطاطا إلى نحو 130 دينارًا، بينما سجلت بعض الفواكه والخضر مستويات مرتفعة أثقلت ميزانيات الأسر.
ودفعت هذه التطورات الحكومة لاحقًا إلى اعتماد إجراءات للحد من المضاربة وتنظيم الأسواق، كما أعلن الرئيس تبون حزمة تدابير إضافية لمواجهة ارتفاع أسعار بعض المنتجات الأساسية.
وهذا ما يمنح قصة سعيد سعيود بعدًا أكثر حساسية، لأنه لم يكن يتحدث عن ظاهرة وهمية، بل عن مشكلة اعترفت بها الحكومة نفسها لاحقًا واتخذت خطوات للتعامل معها.
قمع النقاش الاقتصادي في الجزائر
استخدمت لوموند تعبيرًا لافتًا لوصف هذه العلاقة، فقالت إن خبراء جزائريين، يفضل بعضهم عدم الكشف عن هويته، يرون أن النظام أصبح «على خلاف مع الأرقام» عندما تكون غير مريحة للرواية الرسمية.
وتضرب الصحيفة أمثلة تتجاوز الاقتصاد، معتبرة أن المشكلة أوسع من مجرد خلافات حول الأسعار أو المناجم، بل تتعلق بطريقة تعامل السلطة مع البيانات التي تحمل دلالات سلبية، سواء في الاقتصاد أو إدارة الأزمات.
ومن هذه الزاوية، تصبح قضية جلول سلامة أكثر من مجرد حكم قضائي على أكاديمي، لأنها ترسل رسالة إلى الاقتصاديين والمهندسين والصحافيين بأن نقد الجدوى الاقتصادية للمشاريع الكبرى قد يحمل تكلفة شخصية مرتفعة.
تزداد خطورة هذا الاتجاه لأن الجزائر تمر في الوقت نفسه بمرحلة ضغط على القدرة الشرائية، وهو ما يجعل الأرقام الاقتصادية جزءًا مباشرًا من الحياة اليومية للمواطنين، وليس مجرد نقاش أكاديمي.
وعندما ترتفع أسعار المنتجات الأساسية بهذا الشكل، يصبح الحديث عن السياسات الحكومية والجدوى الاقتصادية للمشاريع والإنفاق العام أكثر إلحاحًا، لا أقل أهمية.
السجن لكل من يبدي رأيا مخالفا للحكومة
ولهذا فإن القضية التي تطرحها لوموند لا تتعلق فقط بحرية التعبير بالمفهوم السياسي التقليدي، بل بحق الخبراء في مساءلة القرارات الاقتصادية نفسها، خصوصًا عندما تنفق الدولة مبالغ ضخمة على مشاريع تقدم باعتبارها محركات للتنمية المستقبلية.
الخيط الذي يجمع قضيتي جلول سلامة وسعيد سعيود هو أن كليهما تحدث بلغة اقتصادية مباشرة: الأول شكك في جدوى مشروع منجمي استراتيجي، والثاني تحدث عن سعر الطماطم وتآكل القدرة الشرائية.
لكن في الحالتين، لم يُنظر إلى الكلام باعتباره مجرد نقاش حول السياسات، بل تحولت الأرقام نفسها إلى مسألة سياسية حساسة.
