
تكشف أحدث بيانات صندوق النقد الدولي عن تحول لافت في وضع الاحتياطيات الخارجية للجزائر، إذ يتوقع أن تنخفض من 68.9 مليار دولار في 2024 إلى 46.5 مليار دولار بنهاية 2026، ما يعني خسارة نحو 22.4 مليار دولار خلال عامين فقط، في مسار يعكس الضغوط المتزايدة التي تواجهها المالية الخارجية للبلاد.
واللافت أن التراجع لا يحدث تدريجيًا على مدى فترة طويلة، بل يظهر بصورة حادة ابتداءً من 2025، إذ تشير تقديرات صندوق النقد إلى هبوط الاحتياطي الرسمي الإجمالي إلى 51 مليار دولار خلال ذلك العام، أي بانخفاض يقارب 17.9 مليار دولار مقارنة بعام 2024، قبل أن يفقد 4.5 مليارات دولار إضافية خلال 2026.
من 68.9 إلى 46.5 مليار دولار
وفق الأرقام التي نشرها صندوق النقد الدولي، بلغ إجمالي الاحتياطيات الرسمية للجزائر 68.9 مليار دولار في 2024، قبل أن تتوقع المؤسسة الدولية تراجعها إلى 51 مليار دولار في 2025 ثم إلى 46.5 مليار دولار في العام التالي.
وبذلك يكون الاحتياطي قد فقد نحو 32.5% من قيمته المسجلة في 2024 إذا تحققت تقديرات الصندوق بنهاية 2026، وهي نسبة كبيرة بالنسبة إلى فترة لا تتجاوز عامين.
ويظهر الجزء الأكبر من التراجع في السنة الأولى، إذ ينخفض الاحتياطي بنحو 26% بين 2024 و2025 وحدهما، قبل أن تتباطأ وتيرة الانخفاض إلى قرابة 8.8% في 2026.
الجزائر قد تفقد ثلث احتياطياتها في سنتين
حجم الانخفاض يصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلى القيمة الإجمالية المفقودة، إذ يعني الانتقال من 68.9 إلى 46.5 مليار دولار خروج 22.4 مليار دولار من رصيد الاحتياطيات الرسمية مقارنة بمستوى 2024.
ولا يعني انخفاض الاحتياطيات تلقائيًا أن الجزائر تقترب من أزمة في ميزان المدفوعات، لأن دلالة الرقم ترتبط أيضًا بحجم الواردات والديون الخارجية وتدفقات العملة الصعبة وإيرادات صادرات الطاقة، إلا أن سرعة التراجع تظل مؤشرًا يستحق المتابعة، خصوصًا إذا تحولت إلى اتجاه ممتد لعدة سنوات.
فالاحتياطيات تمثل أحد أهم خطوط الدفاع التي تعتمد عليها الدول في تمويل الواردات والتعامل مع الصدمات الخارجية ودعم استقرار العملة، ولذلك فإن خسارة ما يقارب ثلثها خلال فترة قصيرة تقلص الهامش المتاح لمواجهة أي اضطراب لاحق.
النفط والغاز في قلب المعادلة الجزائرية
تعتمد قدرة الجزائر على تكوين احتياطيات من العملات الأجنبية بدرجة كبيرة على العائدات المتأتية من صادرات النفط والغاز، ما يجعل رصيدها الخارجي شديد الحساسية لتحركات أسعار الطاقة وحجم الصادرات.
وعندما تكون الإيرادات الخارجية كافية لتغطية الواردات والإنفاق بالعملة الأجنبية، يستطيع البلد الحفاظ على الاحتياطيات أو زيادتها، بينما يؤدي اتساع الفجوة بين التدفقات الداخلة والخارجة إلى السحب من هذا الرصيد.
ومن هنا تأتي أهمية تقديرات صندوق النقد، لأنها تشير إلى أن السنوات المقبلة قد تشهد استخدامًا أكبر للاحتياطيات بدل استمرار تراكمها بالمعدلات التي سمحت للجزائر سابقًا ببناء هامش مالي مهم.
2025 يحمل الجزء الأكبر من الصدمة
الأكثر إثارة في الأرقام ليس فقط مستوى الاحتياطي المتوقع في 2026، بل السرعة التي يتراجع بها خلال 2025، إذ يُتوقع فقدان نحو 17.9 مليار دولار في عام واحد.
ويمثل ذلك نحو 80% من إجمالي التراجع المتوقع بين 2024 و2026، بينما تصبح الخسارة المتوقعة في العام الثاني أقل بكثير عند 4.5 مليارات دولار.
هذا المسار يعني أن السؤال الاقتصادي الأهم لن يكون فقط مقدار ما تبقى من احتياطي الجزائر، وإنما ما إذا كان الهبوط الحاد في 2025 يمثل صدمة مؤقتة يعقبها استقرار تدريجي، أم بداية اتجاه أطول يستمر بعد 2026.
الرقم لا يعني الإفلاس.. لكنه إنذار مالي واضح
وجود 46.5 مليار دولار من الاحتياطيات يظل رصيدًا مهمًا، ولذلك سيكون من المبالغة تفسير أرقام صندوق النقد باعتبارها إعلانًا عن قرب نفاد العملة الصعبة في الجزائر.
لكن الاتجاه نفسه يحمل دلالة لا يمكن تجاهلها: إذا تحققت التوقعات، ستدخل الجزائر نهاية 2026 باحتياطي أقل بنحو 22 مليار دولار مما كان عليه قبل عامين، وهو ما يقلص قدرتها على امتصاص الصدمات مقارنة بوضعها السابق.
وسيصبح استمرار الانخفاض بعد ذلك أكثر أهمية من الرقم المطلق نفسه، لأن الاحتياطي يستطيع تحمل سنوات من التراجع إذا بقيت الالتزامات الخارجية محدودة وتدفقت عائدات الطاقة بقوة، لكنه يتحول إلى مصدر ضغط عندما تتزامن خسارته مع ضعف الإيرادات أو ارتفاع فاتورة الواردات.
ولهذا فإن بيانات صندوق النقد لا تقول إن الجزائر أمام انهيار مالي، لكنها ترسم مسارًا واضحًا يستحق الانتباه: احتياطي كان يقترب من 69 مليار دولار في 2024 قد يصبح أقل من 47 مليارًا بنهاية 2026، أي أن البلاد قد تفقد قرابة ثلث مخزونها الرسمي من العملات الأجنبية خلال عامين فقط.
