
لقد أوضحت الحكومة الإيرانية الحالية أنها لن توافق أبدًا على نظام إقليمي في الشرق الأوسط تقوده الولايات المتحدة بعد حرب إيران، ولذلك يجب أن ترحل.
من المسلّم به في الأوساط العسكرية أن العدو له رأي في نجاح أو فشل استراتيجيتك وسيُصوّت غالبًا بالرفض.
وقد صوّتت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ضد إنهاء الولايات المتحدة لعملية «إيبك فيوري»، وهي الحملة الجوية والبحرية ضد إيران، في وقت قريب.
صحيح أن القيادة المشتركة الأمريكية-الإسرائيلية يمكنها إعلان النصر ووقف الحملة، مكتفية بإرجاع طموحات إيران للهيمنة الإقليمية وامتلاك السلاح النووي إلى الوراء، وهذا إنجاز مهم بل مهم جدًا، لكن من المشكوك فيه أن يترجم هذا إلى سلام دائم في منطقة الخليج.
كان كارل فون كلاوزفيتز، المفكر العسكري البروسي في القرن التاسع عشر، سيهز رأسه موافقًا على هذه المعضلة الاستراتيجية، فقد وصف القوة العسكرية بأنها مزيج من القدرة المادية والإرادة لاستخدامها.
ويكتب أن «قوة المقاومة» لدى أي طرف «يمكن التعبير عنها بوصفها حاصل ضرب عاملين لا ينفصلان، هما مجموع الوسائل المتاحة له وقوة إرادته» (التأكيد من عنده)، بمعنى آخر، القوة ناتجة عن ضرب هذين العاملين لا جمعهما، فالمقاتل القوي هو من يمتلك القوة والإرادة معًا، وإذا تم تقليص أحد العاملين أو كليهما إلى الصفر من خلال العمل العسكري، فإن قوة العدو ككل تنعدم، مما يتيح فرض الشروط عليه.
بحسب معظم التقديرات، حققت عملية «إيبك فيوري» تقدمًا ملحوظًا على صعيد القدرات، واقتربت من تجريد الجمهورية الإسلامية من أدواتها العسكرية.
ومن بين مؤشرات النجاح قدرة القوات الأمريكية على استخدام طائرات قتالية غير شبحية لضرب أهداف النظام في غرب إيران، إذ يتطلب السماح للطائرات القديمة بالتحليق بأمان تدمير أو تعطيل أنظمة الدفاع الجوي الحديثة، وهو ما حدث إلى حد كبير، رغم أن مقاتلة أمريكية من طراز F/A-18 واجهت هذا الأسبوع صاروخًا أرض-جو إيرانيًا محمولًا على الكتف.
حتى طائرة الهجوم الأرضي الأمريكية A-10 وورثوغ، التي لا تُعرف بقدرتها على التخفي، دخلت المعركة، وكما أوضح رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كاين، فقد استهدفت هذه الطائرات زوارق مسلحة في محاولة لتفكيك قوة بحرية الحرس الثوري الإيراني، وهي أسطول صغير مصمم لإرباك حركة الملاحة في مضيق هرمز.
لا يمكن لأمريكا إخضاع إيران بالقصف الجوي وحده
قد تكون القوة العسكرية الإيرانية في حالة اضطراب تحت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، لكن إرادة إيران مسألة مختلفة، فقد رفضت طهران الاستسلام، مهما تعددت الضربات أو قُتل من قادتها.
هذا العناد يعكس النصف الآخر من معادلة كلاوزفيتز، فرغم أنه يرى القوة حاصل ضرب القوة والإرادة، فإنه يشير بقوة إلى أن الإرادة هي العامل الحاسم، بمعنى آخر، لا يمكن هزيمة العدو بشكل نهائي بما يسمح بإرساء سلام دائم، إلا إذا تم كسر إرادته أولًا، وقد يعني ذلك إحباط الحكومة أو المجتمع أو الجيش أو الأفضل، الثلاثة معًا.
ومع ذلك، فإن النصر العسكري قد يكون مؤقتًا حتى لو تحقق. يحذر كلاوزفيتز من أن «النتيجة النهائية للحرب لا ينبغي دائمًا اعتبارها نهائية، فالدولة المهزومة كثيرًا ما تنظر إلى النتيجة على أنها شر مؤقت، يمكن إيجاد علاج له في ظروف سياسية لاحقة».
وإذا لم يكن المنتصر مستعدًا «لتحويل الأرض إلى صحراء ثم يسمي ذلك سلامًا»، كما كتب المؤرخ تاسيتوس عن الحملة الرومانية في بريطانيا، فإن المهزوم قد يعود ليصوّت بالرفض من جديد.
ولنأخذ مثالًا من منطقة الخليج: صدام حسين تحدى عقوبات الأمم المتحدة، وعمليات التفتيش، ومناطق الحظر الجوي والبري لأكثر من عقد بعد هزيمته في حرب الخليج الأولى، ولم ينتهِ الصراع فعليًا إلا بعد غزو العراق بعد 12 عامًا، الذي انتهى بتغيير النظام في بغداد ومقتل صدام.
لبناء سلام مستقر: لا بد من نظام ما بعد الحرب
يمكن تحقيق سلام أفضل وأكثر استقرارًا، بل إن هذا هو الهدف من الحرب، وقد شرح هنري كيسنجر، الذي درس مفاوضات السلام بعد الحروب النابليونية، كيفية بناء سلام دائم.
أولًا، يجب تحقيق النصر وربما إسقاط النظام الحاكم، من السهل قول ذلك، لكنه صعب التنفيذ، وهذا ما حدث لفرنسا نابليون، حيث أُقصي الإمبراطور ونُفي.
بعد حسم المعارك، اجتمع المنتصرون في فيينا وصمموا نظامًا دوليًا قويًا بما يكفي لردع التحديات، ومقبولًا في الوقت ذاته للدول المهزومة، هذا التوازن خفف من رغبة المهزومين في قلب النظام، وخفف أيضًا من تكلفة الحفاظ على السلام بالنسبة للمنتصرين، فالردع يصبح أقل كلفة عندما لا يشعر المهزومون بالظلم الدائم.
وبالفعل، أعاد المنتصرون إدماج فرنسا في النظام الأوروبي، مما أدى إلى عقود من الاستقرار النسبي، وكما كتب كيسنجر في كتابه «الدبلوماسية»: «لم يكن هناك توازن مادي فقط، بل توازن أخلاقي أيضًا، فقد كان هناك انسجام بين القوة والعدالة، إن توازن القوى يقلل من فرص استخدام القوة، بينما يقلل الشعور المشترك بالعدالة من الرغبة في استخدامها».
بعد قرن من ذلك، لم يكن لدى ألمانيا هذا الشعور بالعدالة بعد الحرب العالمية الأولى، فكانت النتيجة الحرب العالمية الثانية. ولهذا ينبغي على صناع السلام تجنب فرض نظام عقابي.
الجمهورية الإسلامية لن تساوم الولايات المتحدة
يأتي تحذير كيسنجر الحاسم: «أي نظام دولي لا يُعتبر عادلًا سيتم تحديه عاجلًا أم آجلًا»، وهذا يلقي بظلال قاتمة على الوضع في الخليج.
من الصعب جدًا إسقاط نظام حاكم عبر القصف الجوي وحده، مهما بلغت دقته، فالسيطرة على الأرض لا تتحقق بالقوة الجوية أو البحرية، بل بالبشر الموجودين على الأرض، وقد يؤدي القصف إلى تحفيز الشعب الإيراني على التمرد ضد نظام يرفضه كثيرون، وعندها فقط قد يصبح من الممكن صياغة تسوية سلمية ونظام إقليمي مستقر.
لكن من شبه المستحيل أن يوافق النظام الحالي إذا نجا على أي نظام إقليمي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها، وخاصة إسرائيل، سيظل موقف رجال الدين الرافض لأي تسوية تحد من طموحاتهم ثابتًا.
لذا، فلنتمنى للطيارين والباحثين في مجال الصواريخ الأمريكيين والإسرائيليين وحلفائهم الإيرانيين المحتملين على الأرض كل التوفيق، النصر العسكري هو السبيل الوحيد الممكن لتحقيق الانسجام الإقليمي.
عن الكاتب: جيمس هولمز هو أستاذ استراتيجية بحرية في الكلية الحربية البحرية الأمريكية، وزميل أكاديمي في جامعة جورجيا. والآراء الواردة في هذا المقال تعبر عنه وحده.
