
الجميع يخطئون في حساب العدة والعتاد العسكري فقد وعدت خمس دول بإرسال آلاف الجنود ضمن قوات الاستقرار الدولية (ISF)، في التزام يمتد جغرافياً من جاكرتا إلى تيرانا.
غير أن أربعة من تلك الوعود لا تزال حبراً على ورق، ومجمدة منذ أن أدت الحرب مع إيران إلى إخلاء المقر متعدد الجنسيات في كريات غات في فبراير الماضي.
أما الوعد الوحيد الذي تجسد فعلياً هذا الأسبوع، ودخل عبر بوابة قاعدة عسكرية تبعد 30 كيلومتراً فقط عن قطاع غزة، فقد جاء من الرباط.
وقد جرى تأكيد هذا الانتشار العسكري في هدوء تام حيث أفاد المراسلون العسكريون الإسرائيليون يوم الثلاثاء بأن أولى الطواقم المغربية قد وصلت إلى مقر القيادة في كريات غات، وهو الموقع الذي يستضيف هيكل القيادة المشتركة لقوات الاستقرار الدولية منذ أن أسسه مجلس السلام بموجب خطة واشنطن الخاصة بقطاع غزة.
وبعد ذلك، رحب الحساب الرسمي للمجلس بأحدث أعضائه من القوات المسلحة الملكية المغربية، واصفاً وصولهم بأنه تعزيز للجهود الدولية المبذولة لصالح السكان المدنيين في غزة.
ورغم قصر هذا البيان، إلا أنه أغلق دائرة فُتحت في فبراير الماضي، عندما وقف وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، في واشنطن وتعهد بأن التزام المغرب تجاه قوة الاستقرار سينتقل من طور الوعود الورقية إلى الممارسة العملية.
إقرأ أيضا: لماذا ارتفع الشيكل الإسرائيلي بنسبة 25% في ظل حروب إسرائيل؟
إن القوة التي ينضم إليها هؤلاء الضباط تأسست بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، والذي منح قوات الاستقرار الدولية (ISF) تفويضاً بتأمين غزة خلال مرحلة الانتقال بعيداً عن حكم حماس.
وعلى الورق، يغطي هذا التفويض كل شيء بدءاً من نزع السلاح وصولاً إلى تدريب قوة شرطة غزية جديدة، ولكن في الواقع، واجهت هذه البعثة صعوبة بالغة في إيجاد موطئ قدم لها منذ صدور القرار في نوفمبر الماضي، مدفوعة بغموض شروط المواجهة، وتردد الدول الشريكة في إرسال أفرادها لعملية لم يقم أحد بتحديد ملامحها بالكامل بعد.
وصول المغرب لا ينهي هذا الغموض، لكنه يضع جيشاً عربياً خبيراً ويمتلك مصداقية دينية في الجزء الأكثر أهمية من البعثة، وهو الجزء الذي طالما ترددت وزارات الخارجية الأخرى في إرسال طواقمها إليه.
وما يطرحه المغرب على طاولة المفاوضات فعلياً يستحق الشرح بالتفصيل، لأنه يختلف تماماً عما تصوره معظم التغطيات الإعلامية فالرباط لا تكتفي بمجرد تدوير قواتها في خطوط حفظ السلام التقليدية.
إقرأ أيضا: الكاميرات الصينية سلاح الموساد لاغتيال قادة إيران
وبحسب بوريطة، يجري تسكين كبار الضباط المغاربة مباشرة داخل القيادة العسكرية المشتركة لقوات الاستقرار الدولية، كما يجري تجهيز وحدات شرطة مغربية للانتشار إلى جانب هذه القوة، بالإضافة إلى إعداد مستشفى ميداني مغربي لخدمة القطاع.
علاوة على ذلك، عرض المغرب قيادة مسار مكافحة التطرف، اعتماداً على الهيكل الفكري والأمني النفسي الذي قضت المملكة عقدين من الزمن في تطويره داخلياً وتصديره عبر دول الساحل، وهو مسار يستهدف مباشرة الخطاب المحرض على الكراهية الذي أبقى سكان غزة أسرى لحماس لفترة طويلة قبل بدء الحرب.
هذا التميز المغربي يكتسب أهميته بالنظر إلى الأطراف الأخرى التي كان يُفترض وجودها في الغرفة فإندونيسيا تعهدت بإرسال ما يصل إلى 8000 جندي وكان من المقر أن تتولى منصب نائب قائد القوة، ثم جمدت هذا الانتشار في مارس مع اتساع رقعة الحرب مع إيران، ولا تزال جاكرتا تراجع دورها منذ ذلك الحين.
أما الوحدات الطبية التي وعدت بها كازاخستان، فلم يتم تأكيد وجودها على الأرض مطلقاً. وبالمثل، أرسلت كوسوفو وألبانيا فريق تقييم قصير الصلاحية إلى كريات غات في أبريل، قبل أن يتبخر معظم الموظفين متعددي الجنسيات هناك بمجرد اندلاع القتال مع إيران.
وعلى الجانب الآخر، حظيت مصر بالزخم الإعلامي الأكبر حيث قامت وزارة الخارجية الأمريكية في يونيو بنشر صور لجنود مصريين، واصفة دور القاهرة بأنه بالغ الأهمية، لكن المسؤولين المصريين كانوا واضحين وحاسمين في رغبتهم بتفويض حفظ السلام فقط، دون أي فرض للسلام بالقوة ودون أي مواجهة مع حماس، لدرجة أن وفداً من الحركة هبط في القاهرة في نفس الأسبوع الذي تم فيه تأكيد دور مصر في قوات الاستقرار الدولية..
أما الأردن فقد وافق على تدريب الشرطة الغزية لكنه لم يضع ضباطاً داخل قيادة الـ (ISF) نفسها، في حين اكتفت السعودية والإمارات بكتابة الشيكات والتمويل المالي والجلوس في منازلهما.
إقرأ أيضا: 6 أرقام وحقائق عن تهجير اليهود من الدول العربية
لا أحد من هؤلاء يملك العملة والوزن اللذين تحتاجهما هذه البعثة حقاً: الشرعية العربية والإسلامية المقترنة بعلاقة أمنية وظيفية ومطبعة مع إسرائيل، دون أن تكون هذه العلاقة مقيدة بقناة خلفية موازية مع المجموعة (حماس) التي تأسست البعثة أصلاً لتجريدها من السلاح.
لا يملك المغرب أي علاقة مع حماس يخشى عليها، ولا يؤدي دور وسيط يتعين عليها موازنة مواقفه لقد ظهر كدولة يتمتع ملكها بسلطة دينية بصفته أميراً للمؤمنين، وقضت أجهزتها الاستخباراتية سنوات في تفكيك شبكات الجهاد السلفي في الداخل، فضلاً عن أن علاقتها الدفاعية مع إسرائيل تشمل بالفعل سنوات من صفقات السلاح، وتبادل التدريبات، والتخطيط المشترك بموجب اتفاقيات أبراهام.
وحين يجلس ضابط مغربي داخل تلك القيادة المشتركة، فهو ليس غريباً يتعلم طباع إسرائيل من الصفر، وليس شخصاً يدير الولاء لسيدين بل هو اسم معروف وموثوق به لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي عملت جنباً إلى جنب مع نظيرتها المغربية منذ عام 2020.
ولم يكن أي من هذا بلا ثمن سياسي بالنسبة للرباط فالمغرب مقبل على موسم انتخابي مشحون، والجزائر كذلك، وقد أنفقت الأخيرة سنوات في تمويل آلة دعاية تصم أي تعاون مغربي إسرائيلي بأنه خيانة للقضية الفلسطينية.
إقرأ أيضا: أهمية حرب إيران في الحرب الباردة الجديدة
كما ستحاول المعارضة الإسلامية المحلية استغلال هذا الانتشار العسكري كأداة للضغط، وسيتشاطر معهم في ذلك لوبي البوليساريو في واشنطن والعواصم الأوروبية.
ورغم ذلك، أرسلت الرباط ضباطها إلى كريات غات جهاراً في وضح النهار، وبتأكيد رسمي من وزارة خارجيتها بدلاً من دفن الخبر في تسريب صحفي وهذا ليس سلوك حكومة تلعب على الحبلين وتتحوط في مواقفها، بل هو سلوك حكومة حسمت خياراتها وعرفت أين تكمن مصالحها طويلة الأمد.
وتتحرك واشنطن في الاتجاه نفسه عبر مسار منفصل ولكنه ذو صلة، ويتعين الآن دمج هذين المسارين في سياسة موحدة فالمادة 1268 من قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027، التي قدمتها لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ هذا الشهر، توجه البنتاغون لتقديم خارطة طريق كاملة للكونغرس لمدة عشر سنوات للتعاون الدفاعي مع المغرب، بناءً على الإطار الموقع في واشنطن في أبريل الماضي.
لقد كُتبت خارطة الطريق هذه قبل أن تطأ بيادة مغربية واحدة أرض كريات غات، والآن أصبحت تمتلك أول إثبات عملي وتطبيقي لها على أرض الواقع.
إقرأ أيضا: بنود في دستور إيران تهدد العرب وإسرائيل بالزوال
يجب على الكونغرس تمرير قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) مع الإبقاء على المادة 1268 دون تعديل، وتوجيه البنتاغون للتعامل مع الانتشار المغربي في غزة كبرنامج تجريبي لكل ما تطمح إليه خارطة الطريق: خلايا تخطيط مشتركة، ودورات تدريبية مكثفة وسريعة، وقناة اتصال قائمة تربط الرباط وواشنطن والقدس لرسم هيكل غزة ما بعد الحرب، لا كأني ثلاث علاقات ثنائية منفصلة، بل كمثلث أمني مبني حول شريك أثبت وجوده ووصل بالفعل.
يتعين على المسؤولين الإسرائيليين التوقف عن انتظار اللواء الإندونيسي المجمد لتصدر العناوين الصحفية، والبدء في التعامل مع وصول المغرب على أنه هو المانشيت والحدث الحقيقي.
إن قوة متعددة الجنسيات جُمعت لاستقرار غزة تحتاج إلى قوات يمكنها العمل داخل قيادة متوافقة مع إسرائيل دون احتكاك، وتتمتع بمصداقية أمام الجمهور العربي والمسلم لا تستطيع إسرائيل تقديمها بمفردها، وتمتلك الأدوات الفكرية لمحاربة التطرف التي ستحتاجها غزة بمجرد أن تصمت المدافع أخيراً.
لقد استوفى المغرب كل هذه الشروط قبل أن يصل ضباطه إلى البوابة أرسلت الدول الأربع الأخرى وعوداً وتعهدات، أما المغرب فقد أرسل علاقة ناجحة وشغالة بالفعل.
بقلم أمين أيوب (النسخة الإنجليزية)
إقرأ أيضا: حقيقة صورة نتنياهو بقميص الأرجنتين في مباراة ميسي ضد النمسا
