إيران مضيق هرمز

وصف العديد من المعلقين على حرب إيران عام 2026 دونالد ترامب بالغباء والحماقة، واعتبروا هذه الحرب علامة فارقة في انحدار الإمبراطورية الأمريكية وسقوطها، وانهيار الهيمنة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.

لكن الحقيقة، بغض النظر عما إذا كان ترامب أحمق أم عبقريًا، فإن جوهر حرب إيران لا يهم، فهي حرب بين نظامين اقتصاديين عالميين، تُطورها مبادرة الحزام والطريق الصينية لتجاوز النظام البحري العالمي البريطاني، ثم الأمريكي، الذي ساد منذ هزيمة فرنسا في الحروب النابليونية عام 1815 في معركة واترلو.

خلال حرب المائة عام الثانية بين إنجلترا وفرنسا (1688-1815)، كانت حربًا بين نظامين: نظام التجارة البحرية الذي انتصر، والنظام القاري الذي رفض نظامًا عالميًا قائمًا على التجارة البحرية، مما عزز مكانة قوى بحرية مثل بريطانيا واليابان والولايات المتحدة اليوم.

إقرأ أيضا: غارات سعودية وضربات إماراتية على إيران

حاول الفرنسيون بناء نظام تجاري متواصل لعزل البريطانيين عن التجارة الأوروبية القارية، لكنهم خسروا لأن التجارة البحرية أكثر كفاءة وأقل تكلفة بكثير؛ فاليوم، يُنقل أكثر من 80% من التجارة عبر البحار والأنهار.

أما الصين اليوم، فهي في وضع مماثل للفرنسيين، إذ يعتمد نموها الاقتصادي وأمنها الطاقي والغذائي على نظام عالمي بحري لا تستطيع السيطرة عليه.

لذا، تسعى الصين لبناء نظامها التجاري القاري الخاص، غير القائم على النظام العالمي البحري، من خلال مبادرة الحزام والطريق، التي تُنشئ خطوط سكك حديدية وأنابيب بين إيران وروسيا والصين للتخلص من تبعيتها للولايات المتحدة.

لكي تتمكن الولايات المتحدة من القضاء على الاقتصاد الصيني، يكفيها فقط نشر حاملتي طائرات في مضيق ملقا، لتشهد نهاية النظام العالمي الذي أنشأته، والذي مكّن الصين، ولأول مرة في تاريخها، من أن تصبح قوة تجارية عالمية.

إقرأ أيضا: تأثير حرب إيران على أرباح الناشرين من الإعلانات

يمر عبر مضيق ملقا ما يقارب 80% من واردات الصين النفطية وجزء كبير من تجارتها العالمية. وهذا ما يجعله ممرًا بحريًا حيويًا، حيث يعبره أكثر من 60 ألف سفينة سنويًا، ما يمثل حوالي 25% من التجارة البحرية العالمية.

لهذا السبب أنفقت الصين في عام 2021 مبلغ 400 مليار دولار لإنشاء خط سكة حديد يربطها بإيران، ولهذا السبب أيضًا شنت الولايات المتحدة حربًا على إيران بهدف إفشال مبادرة الحزام والطريق الصينية.

علاوة على ذلك، أدت الحرب في أوكرانيا منذ عام 2022 إلى إضعاف روسيا وقدرتها على أن تكون موردًا موثوقًا للغاز الطبيعي المسال، وذلك بسبب هجمات أوكرانيا على خطوط الأنابيب والمصافي الروسية.

وتسعى الولايات المتحدة إلى كسر التحالف الثلاثي بين إيران وروسيا والصين، وذلك بالتساهل مع روسيا، وإخضاع إيران لجيل آخر، وعزل الصين التي تعاني أصلا من الصراعات مع جيرانها.

إقرأ أيضا: حرب إيران كشفت حقيقة صنع في الصين

لا شك أننا نعيش حربًا باردة أخرى وستستمر لسنوات طويلة، سيُخاض الصراع الأكبر على المستقبل في المحيط الهادئ، حيث سيتحقق النمو الاقتصادي، وفقًا لما قاله لي كوان يو، مؤسس سنغافورة الحديثة.

إن حرب إيران لا تتعلق فقط بالبرنامج النووي الإيراني ونظام صواريخها الباليستية التي تهدد جيرانها الحرب قبل إسرائيل بل بدور طهران في استراتيجية الصين للوصول إلى الشرق الأوسط.

وخلال الحرب أظهرت الولايات المتحدة الأمريكية تفوقها الكبير فيما فشل الاتفاق الصيني السعودي الإيراني الذي لم يمنع إيران من ضرب دول الخليج، واتضح أن الأسلحة الصينية مجرد خردة حيث فشلت في إسقاط الطائرات الأمريكية.

إقرأ أيضا: بنود في دستور إيران تهدد العرب وإسرائيل بالزوال