مصر الخليج

ليست الأزمة بين مصر والخليج، كما يتخيل بعض السطحيين، أن دول الخليج تريد من القاهرة أن تزج جيشها في حرب لا تحتملها، ثم تغضب لأنها لم تفعل.

هذه بلا شك رواية مريحة لكنها كاذبة، فالعواصم الخليجية تعرف أكثر من غيرها أن مصر مثقلة اقتصاديًا، وأنها لا تملك رفاهية خوض مغامرة عسكرية إقليمية واسعة، وهي، في الغالب لا تطلب ذلك أصلًا.

ما يثير الغضب الخليجي الحقيقي ليس غياب الجندية المصرية عن الجبهات، بل غياب الوضوح السياسي، ليس الامتناع عن الحرب، بل الإصرار على سياسة مزدوجة تقول شيئًا في العلن وتلمح إلى نقيضه في العمق.

هذا هو جوهر المشكلة التي قد تفضي إلى طرد العمالة المصرية وتدهور العلاقات المصرية الخليجية العميقة، إذ لا ينتظر الخليج من مصر أن ترسل فرقًا مدرعة إلى الخليج العربي، بل أن تتصرف بما ينسجم مع أبسط منطق التحالف والمصلحة والاتساق، وعندما لا يحدث ذلك، يصبح الاستياء مفهومًا، بل متوقعًا.

لنبدأ من الوقائع الصلبة لا من الانفعالات، مصر نفسها دفعت ثمن التهديدات الحوثية في البحر الأحمر على نحو مباشر ومؤلم.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أعلن في مارس 2025 أن خسائر قناة السويس الشهرية وصلت إلى نحو 800 مليون دولار بسبب الاضطرابات الإقليمية وهجمات الحوثيين على الملاحة، فيما الخسائر أكبر عندما نتحدث عن سمعة ومصداقية هذا الممر الذي عجزت مصر عن حمايته من تهديدات الحوثيين.

ومع ذلك، حين قادت الولايات المتحدة تحالفًا بحريًا لحماية الملاحة في البحر الأحمر، لم تنضم مصر إليه، وكانت من القوى الإقليمية الكبرى التي امتنعت عن المشاركة، وهو ما شكل ضربة ليس لواشنطن بل لصورة مصر التي تسوق لنفسها على أنها أكبر قوة عسكرية في المنطقة!

إذا كانت مصر هي نفسها من يدفع الفاتورة، فلماذا يبدو موقفها السياسي أكثر تحفظًا من اللازم تجاه من يهدد هذا الشريان الحيوي؟ لماذا تظهر القاهرة أحيانًا كما لو أنها تريد الاستفادة من التضامن الخليجي الاقتصادي، من دون أن تقدم في المقابل وضوحًا استراتيجيًا موازياً في الملفات التي تمسّ الأمن الخليجي مباشرة؟

صحيح أن القاهرة أصدرت، قبل أيام، بيانًا رسميًا مشتركًا أكد “العلاقات القوية والتاريخية” مع السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والعراق والأردن، ورفض أي ممارسات إعلامية مسيئة لتلك الدول، وصحيح أن هذا البيان جاء في لحظة توتر حساسة، لكن المشكلة أن البيانات، مهما كانت صيغتها منضبطة، لا تستطيع وحدها محو تراكم طويل من الرسائل المربكة والازدواجيات المتكررة.

من جهة، تريد مصر أن تُقرأ كدولة عربية مركزية تقف مع الخليج ضد التهديدات الإيرانية؛ ومن جهة أخرى، يخرج من داخل فضائها الإعلامي والشعبي خطاب متسامح على نحو لافت مع إيران وأذرعها، أو على الأقل أقل حدة بكثير مما يتوقعه من يتعرضون للقصف فعليًا.

وفي ذروة الحرب الحالية، حين اشتكت دول الخليج علنًا أمام مجلس حقوق الإنسان من أن الضربات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات تشكل “تهديدًا وجوديًا” لها، لم يعد الأمر نظريًا أو قابلًا للتأجيل.

نحن لم نعد أمام خلافات تحليلية حول النفوذ الإيراني أو دور طهران الإقليمي، بل أمام دول عربية تقول بوضوح إن بنيتها التحتية ومدنها وأمنها الوطني باتت تحت الاستهداف المباشر، في هذه اللحظة، يصبح الحياد المائع أو اللغة الرمادية نوعًا من الخذلان المؤلم.

ما يزعج الخليج، على الأرجح، ليس فقط ما تقوله الدولة المصرية رسميًا، بل ما تسمح له أن يتسرب ويتراكم في المجال العام، فمنذ اندلاع الحرب، ظهر في قطاعات من الإعلام والرأي العام المصري تعاطف لافت مع إيران، أو على الأقل نوع من التخفيف الأخلاقي لعدوانها على الخليج بحجة القواعد الأمريكية أو العداء لإسرائيل.

وهذه ليست مجرد ضوضاء شعبية منفصلة عن السياسة، لأن المجال العام في مصر ليس فضاءً بريئًا يعمل بمعزل عن الدولة، لذلك حين يرى الخليجيون هذا المزاج يتكرر بلا ردع أخلاقي أو سياسي كافٍ، فهم لا يقرؤونه بوصفه صدفة اجتماعية، بل بوصفه إشارة إلى وجود مشكلة أعمق في اتجاه البوصلة المصرية.

الخليج لم يغضب لأن مصر لم تقاتل بل لأنه شعر في لحظة الخطر بأن القاهرة تريد أن تجمع بين شيئين متناقضين ألا وهما أن تبقى في موقع المستفيد من الدعم الخليجي التقليدي، وأن تحتفظ في الوقت نفسه بمسافة غامضة من التهديد الإيراني، وأن تراهن على التهدئة مع طهران من دون أن تدفع ثمن الإرباك الذي يسببه ذلك لحلفائها العرب.

الخليج إذن لا يريد من مصر المستحيل. لا يريد منها أن تفتح حربًا إقليمية وهي بالكاد تدير أزمتها الاقتصادية الداخلية. ولا يريد منها أن تعيد إنتاج ستينيات عبد الناصر في سياق مختلف، ما يريده، في الحد الأدنى، هو سلوك سياسي واضح ومحترم: أن تعرف القاهرة أين تقف، وأن تترجم بيانات التضامن إلى اتساق في اللغة، والموقف، والإعلام، والحسابات الإقليمية.