مجاعة مصر

لقد وُجدت مصر بأشكالٍ مختلفة منذ عام 3100 قبل الميلاد، واليوم تواجه خطر الزوال بسبب الكارثة الناجمة عن تغير المناخ، والتي قد تؤدي إلى زوالها ككيان سياسي، ومواجهة ملايين المصريين لمجاعة جماعية وموت.

مصر هي النيل، والنيل هو مصر فإذا جفّ النيل جفّت مصر، وسرعان ما يتبعه المصريون كشعب.

ويُعدّ المصريون من أقدم المجموعات العرقية على وجه الأرض، وإن كانت هناك شكوك حقيقية ومنطقية في أنهم بناة الأهرامات.

ويحتلون المرتبة الثانية، بعد الفرس والصينيين، من حيث طول عمرهم من حيث الاستمرارية الاجتماعية، وإن كانوا أقلّ من حيث استمراريتهم السياسية.

ويشير مصطلحا “الاستمرارية السياسية” و”الاستمرارية الاجتماعية” إلى المعايير السياسية والاجتماعية التي تحكم كل أمة.

فعلى سبيل المثال، يعود تاريخ استمرار المملكة المتحدة الحالي إلى توقيع الميثاق الأعظم عام 1215 ميلادي.

ويُظهر هذا التباين جليًا بين استمرارية الوضع السياسي في مصر وانقلاب عام 2013.

أدى هذا الحدث، الذي شهد احتجاجات حاشدة تطالب باستقالة الرئيس الفورية، إلى اضطراب كبير في المسار السياسي لمصر، ولا يزال يُؤثر على حاضرها ومستقبلها.

بلغت هذه الأحداث ذروتها في انقلاب 2013 في مصر، عقب احتجاجات واسعة النطاق في جميع أنحاء البلاد طالبت باستقالة الرئيس الفورية.

جاءت هذه المظاهرات جزئيًا استجابةً لحركة “تمرد”، وهي حركة شعبية أطلقت عريضة في أبريل 2013، تدعو مرسي وحكومته إلى التنحي.

يُعدّ الاستقرار السياسي أمرًا بالغ الأهمية، لأنه يُوفر الأمن لرجال الأعمال والشعب في ظل الأنظمة السياسية والمؤسسية، ويمنح المجتمع شعورًا بالشرعية والاستقرار.

بفضل هذا الأمن، ستشعر الشركات بأن بيئة الأعمال آمنة، وسيتمكن المواطنون من ممارسة حياتهم اليومية دون خوف من العنف الناجم عن عدم الاستقرار السياسي.

فعلى سبيل المثال، تشهد المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية استمرارية سياسية واجتماعية ملحوظة، دون وقوع أي انقلاب، على عكس ما حدث في مصر حيث سقط مرسي وعاد الجيش للإستيلاء على الحكم والإقتصاد.

يُقال إن النيل هو مصر ومصر هي النيل، وهو قولٌ شائعٌ يُردد صدىً واسعاً، وقد أكده المؤرخ اليوناني هيرودوت حين كتب: “مصر هبة النيل”.

لكن لسوء الحظ، يُواجه نهر النيل تهديداً خطيراً بسبب تغير المناخ، والتصنيع، وتغيير إثيوبيا لمجرى النيل للوصول إلى مصادر مياه إضافية، مما قد يُؤدي إلى نزاعٍ مُحتمل بين مصر وإثيوبيا.

ويعود السبب في ذلك إلى أن معظم المستوطنات في مصر تقع على ضفاف نهر النيل، وبدون النيل، يُصبح وجود مصر مُهدداً.

لذا، من مصلحة مصر الوطنية مواجهة إثيوبيا إذا أرادت الحفاظ على وجودها، مما قد يُشعل فتيل أول حرب مائية في العالم.

ويُؤكد هذا التهديد المُحدق على الحاجة المُلحة إلى حلول دبلوماسية وتعاون دولي لتجنب صراعٍ كارثي.

بدأت مصر مسيرة التصنيع في عشرينيات القرن الماضي، ولا تزال حتى اليوم متأخرة كثيراً عن مصاف الدول الصناعية بل تجاوزها المغرب في صناعة السيارات.

وخلال عصر العولمة، الذي ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية في إرساء دعائمه عقب الحرب العالمية الثانية، ركز المصريون على زراعة المحاصيل النقدية بدلاً من الحبوب لتوفير الغذاء لسكانهم.

بدلاً من ذلك، ركزوا على المحاصيل التي تدرّ فائضاً من الإيرادات، والتي يمكن استخدامها لشراء سلع أخرى، بما في ذلك الحبوب.

كانت مصر تستورد حبوبها عادةً من أوكرانيا وروسيا، وقد تسبب الحرب الروسية الأوكرانية في أضرار جسيمة لهذا البلد الأفريقي، ومن المضحك أن الشعب المصري أنه كان في غاية الحماسة لهذه الحرب وقد دفع الثمن مع انهيار الجنيه المصري أكثر وارتفاع التضخم.

يُدعم الخبز في مصر بشكل كبير من الحكومة، ونظراً لارتفاع قيمة المحاصيل النقدية المتاحة في الأسواق الدولية، تمكن المصريون من الحصول على الحبوب بأسعار أقل بكثير في الأسواق العالمية.

في المتوسط، تُعدّ وجبة “العيش البلدي” هي الوجبة الرئيسية للمصريين، وهي عبارة عن خبز مسطح دائري تقليدي، ويُعتبر من الأطعمة الأساسية الشائعة بين الفقراء العاملين في البلاد.

يستهلك المصريون ما بين 150 و180 كيلوغرامًا من الخبز للفرد، أي أكثر من ضعف المتوسط ​​العالمي الذي يتراوح بين 70 و80 كيلوغرامًا.

بالنسبة للمصري العادي، ارتفع سعر الحبوب بنسبة 65% بين يناير 2022 ويونيو 2024.

أما بالنسبة لسعر خبز “عيش بلدي” المدعوم، فقد ارتفع بنسبة 300% في يونيو 2024، من 5 قروش إلى 20 قرشًا للرغيف الواحد، وكانت هذه أول زيادة في سعر الخبز المدعوم منذ عام 1989، وذلك في أعقاب ارتفاعات كبيرة في أسعار القمح عالميًا.

بحسب تقرير لوكالة رويترز، يتلقى أكثر من 60 مليون مصري، أي ما يقارب ثلثي السكان، خمسة أرغفة من الخبز المستدير يوميًا مقابل 50 سنتًا شهريًا، وذلك بموجب البرنامج الحالي، وهو رقم لم يتغير منذ أن حالت احتجاجات الخبز في سبعينيات القرن الماضي دون رفع الأسعار.

وذكر المحلل الجيوسياسي والمؤلف بيتر زيهان أن القدرة الاستيعابية لمصر من حيث الإمدادات الغذائية غير كافية لإعالة سكانها، لا سيما بعد توقف أسواق الحبوب الروسية والأوكرانية.

كما أن ارتفاع منسوب مياه البحر عالميًا، وتزايد التوسع العمراني المصري على حساب الأراضي الزراعية التقليدية، يُفاقم الوضع الغذائي للبلاد.

ويضيف زيهان أن عدد سكان مصر، المعروف بأنه يتجاوز 116 مليون نسمة، يُعادل ضعف قدرة البلاد الفعلية على إعالة سكانها الحاليين.

وتواجه مصر أيضًا مجاعةً ستكون كارثية بكل المقاييس في هذا القرن إذا ساءت الأمور عالميا بسبب التغير المناخي.

لا يستطيع العالم أيضاً تزويد السفن بالحبوب لإطعام سكان مصر المعرضين لخطر المجاعة.

إضافةً إلى ذلك، قد يؤدي ارتفاع منسوب مياه البحر إلى تدمير دلتا النيل، مما قد يتسبب في نزوح جزء من سكان مصر أو حتى هلاك نصفهم، وبالتالي تفاقم أزمة المناخ في مصر وزيادة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ولسوء حظ المصريين، لا تملك مصر منفذاً إلى بقية دول الشرق الأوسط، وحتى الهجرة المحتملة إلى القارة الأوروبية لن تكون خياراً متاحاً.

قد يموت المصريون جوعاً، وستكون مشكلة محصورة داخل مصر، وقد ينزح الملايين منهم إلى ليبيا حيث ظروف المعيشة أفضل لكن الاستقرار السياسي أسوأ ما يفتح الباب لفوضى كبرى في المنطقة.

وتحرص عادة السعودية والإمارات على الإستثمار في مصر تثبيتا للإستقرار فيها خوفا من انهيارها بسبب الأزمات المالية والاقتصادية ودخول المنطقة في فوضى يمكن أن يستغلها داعش والجماعات الإسلامية للتوسع والسيطرة على دولة مركزية مثل مصر.