
عندما كشفت السلطات المصرية في الأسابيع الأخيرة عن خطة لزيادة تحلية مياه البحر في مصر ومعالجة مياه الصرف الصحي، تعالت الأصوات التي تقول أن القاهرة قد خسرت معركة النيل وأنها تسابق الزمن لتعويض النقص من البحر.
وبينما تستمر جهود الديبلوماسية حتى الآن لحل أزمة سد النهضة المستمرة منذ وقت طويل، يخشى المصريين من أن تطور هذا السد وتنفيذ اثيوبيا أيضا لمشاريع 100 سد إضافي متوسط وصغير على النهر سيؤدي إلى هلاكهم بالعطش.
والحقيقة أن الأمور لا تسير بهذه البساطة، والقوانين الدولية تقف إلى جانب مصر، لهذا فهي لا تتسرع لحل عسكري قد يسبب مأساة في شرق أفريقيا، لكنها تعلم أن الإعتماد على النيل لوحده مخاطرة.
تحلية مياه البحر في مصر بعهد السيسي:
وفي مايو الماضي، كشفت القاهرة عن خطة طموحة تعتمد على تأمين احتياجات المياه من تحلية مياه البحر، حيث ستنفق القاهرة 50 مليار جنيه، لإنتاج 2.8 مليون متر مكعب يوميا من المياه الصالحة للشرب.
والحقيقة انه خلال فترة حكم الرئيس السيسي ارتفع انتاج مياه الشرب والسقي من البحر بحوالي 20 ضعفا، وتعمل السلطات على بناء 14 محطة تحلية مياه البحر حاليا، ومن المقرر الإنتهاء منها بعد عام من الآن.
ولدى مصر حاليا 63 محطة قائمة لتحلية المياه بطاقة اجمالية تصل إلى 799 ألف متر مكعب يوميا، وهذا بمحافظات شمال سيناء وجنوب سيناء والبحر الأحمر ومرسى مطروح والاسماعيلية والسويس.
ومن المنتظر أن ترفع الخطة العاجلة التي يتم تنفيذها في مصر عدد المحطات إلى 90 محطة مختلفة على البحر الأحمر والبحر البيض المتوسط.
وتعتمد حكومة هذا البلد الواقع في شمال إفريقيا على قدرة إنتاجية تبلغ 6.3 مليون متر مكعب في اليوم بحلول عام 2050، وعلى مدى السنوات الخمس المقبلة تريد القاهرة بناء 47 محطة إضافية باستثمارات تبلغ 2.8 مليار دولار.
ويضغط الرئيس عبد الفتاح السيسي على السلطات من أجل تسريع العمل على إطلاق تلك المحطات في الأسابيع والأشهر القادمة وهذا لتلبية الإحتياجات المتزايدة وتطوير الفلاحة والزراعة في البلاد والتي شهدت تقدما ملحوظا في السنوات الأخيرة.
هل تحلية مياه البحر في مصر بديل لنهر النيل؟
والسؤال الأهم هل هذه خطة بديلة لنهر النيل؟ هل سلمت القاهرة بمسألة أن النهر سيختفي ويجف في السنوات القادمة مع توجه اثيوبيا إلى استغلاله وبناء السدود عليه؟
حسب الحكومة المصرية يُعد نهر النيل المصدر الرئيسي للمياه في مصر حيث وتبلغ حصة البلد من مياهه 55.5 مليار متر مكعب تمثل 79.3% من الموارد المائية وتغطى 95% من الإحتياجات المائية الراهنة.
ولا ترقى مشاريع تحلية المياه إلى القدرة على توفير هذا الكم الكبير من المياه الذي تستهلكه الدولة سنويا، لذا لايزال النيل مهما للغاية ولا يمكن التخلي عنه.
هناك دول تعتمد على تحلية مياه البحر بشكل أساسي مثل المملكة العربية السعودية والإمارات، كما أن هناك دولا تنشط بها التحلية مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وعربيا فإن بقية الدول كلها تتجه إلى التحلية، ويعد المغرب مهما على هذه الخريطة مع امتلاكه لواحدة من أكبر المحطات في أفريقيا وسعيه لافتتاح أخرى ستكون الأكبر في عاصمته الإقتصادية.
وفي ظل التغير المناخي أصبحت التساقطات المطرية والمناخ والأنهار مهددة بتغييرات كبرى قد تدمر مصير دول وشعوب بأكملها.
بالنسبة لمصر فإن النيل هو شريان الحياة حتى الآن، ولكن من المحتمل بدون سد النهضة أيضا أن تتراجع حصة المياه، لهذا تستثمر القاهرة بكثافة في محطات التحلية ومعالجة المياه وتبحث عن حلول مختلفة.
حتى الآن لا توجد أي خطة لتتخلى مصر عن النيل، والأرجح أنها ستعمل على زيادة إنتاج المياه الصالحة لشرب والسقي من البحر لمواجهة أي نقص وأيضا لاستغلال البحار التي تشكل 70 في المئة من مساحة الأرض.
تحلية مياه البحر وتأمين النيل هو الحل:
اختيار التوجه إلى تحلية مياه البحر والتخلي عن النيل ليست عقلانيا، أما تأمين النيل والتخلف عن سباق التحلية هو أيضا خيار سيء وغير عقلاني.
تحتاج الدولة المصرية لتأمين مياه الشرب والسقي وزيادة الكمية المتاحة سنويا، ومحاربة التصحر وتطوير الزراعة الصحراوية، ويمكن أن تكون من البلدان التي ستستفيد من التغير المناخي، حيث من المحتمل أن تتحول البلدان ذات المساحات الصحراوية إلى مروج وأنهار في وقت ستغزو الصحاري والجفاف مناطق غنية بالمياه والأنهار مستقبلا.
هل تحلية مياه البحر في مصر بديل لنهر النيل؟ بكل تأكيد هذا ليس صحيحا، لا الآن ولا حتى في العشرين السنة القادمة.
إقرأ أيضا:
من سياسة بناء السدود إلى تحلية مياه البحر في المغرب
تأثير سد النهضة على الزراعة في مصر
