دور القوة البحرية الأمريكية في حماية التجارة العالمية

تعد القوة البحرية الأمريكية والأسطول العسكري الخاص بها المنتشر في البحار حول العالم الضامن الأساسي للتجارة العالمية المزدهرة اليوم.

إن الصينيين على سبيل المثال يدركون تمام الإدراك أن ثرواتهم الاقتصادية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأنظمة التي بنتها الولايات المتحدة على مدى العقود الثمانية الماضية، ومنها جهود الولايات المتحدة لمكافحة القرصنة البحرية لحماية التجارة العالمية.

وقد رأينا جميعا كيف تصدت الولايات المتحدة لهجمات الحوثيين التي تستهدف إعاقة التجارة العالمية من خلال ضرب السفن ودفعها للإبحار حول القارة السمراء وبالتالي زيادة التكاليف على المستهلك النهائي في كل دول العالم.

القوة البحرية الأمريكية بديلا لبريطانيا

لسنوات طويلة، سيطرت البحرية الملكية البريطانية على الممرات البحرية العالمية، حاميةً مصالح الإمبراطورية الشاسعة ومؤمنةً تجارتها الواسعة.

في أوج قوتها، امتلكت بريطانيا أسطولاً لا يُضاهى، مدعوماً بقواعد بحرية منتشرة في جميع أنحاء العالم، مثّلت معركة ترافالغار عام 1805 نقطة تحول تاريخية، مؤكدةً هيمنة بريطانيا بدون مُنازع عليها على البحار.

لكن الحربين العالميتين استنزفتا موارد الإمبراطورية بشكل كبير، مُضعفةً قدرتها على الحفاظ على هذا الأسطول الضخم، أضف إلى ذلك صعود قوى جديدة، على رأسها الولايات المتحدة، طامحة إلى لعب دور أكبر على الساحة الدولية.

دخلت الولايات المتحدة القرن العشرين بطموحات عالمية متنامية، مدركةً أهمية امتلاك قوة بحرية قادرة على حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

شهدت فترة الحربين العالميتين توسعاً هائلاً في البحرية الأمريكية، مدفوعاً باحتياجات الحرب والتزام الولايات المتحدة بأمن الممرات البحرية.

بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة التي تمتلك أسطولاً حديثاً وقوياً، مُجهزةً بأحدث التقنيات العسكرية، بما في ذلك حاملات الطائرات والغواصات النووية.

بعد الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام، بلغ حجم البحرية الأميركية ذروته في عام 1987 بـ 594 سفينة، وكان ذلك عندما أطلقت الولايات المتحدة عملية “الإرادة الصادقة”، وهي واحدة من أكبر العمليات البحرية منذ الحرب العالمية الثانية، وكانت تهدف إلى حماية إمدادات النفط التي تمر عبر الخليج، والتي كانت تتعرض للهجوم أثناء الحرب بين إيران والعراق.

غياب بديل قوي لأسطول البحرية الأمريكية حول العالم

إن الهجمات في البحر الأحمر قد لا تؤثر على العولمة كثيراً، ولكنها تشكل تذكيراً بأن التجارة العالمية لا تزال تعتمد الآن على الولايات المتحدة القوة العسكرية العظمى التي لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها في عهد دونالد ترامب.

يريد الرئيس الأمريكي من الإتحاد الأوروبي وحلف الناتو والقوى الأخرى زيادة الإنفاق العسكري من أجل حماية التجارة العالمية وهذا لتفادي استنزاف الولايات المتحدة من خلال اعتماد العالم عليها.

إن ترامب مستاء من العبء الأمني ​​الذي تتحمله الولايات المتحدة، وخلال فترة ولايته الأولى هدد بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي ما لم يساهم الأعضاء الآخرون بشكل أكبر في عملياته.

وقد زادت العديد من الدول الأعضاء الأوروبية في حلف شمال الأطلسي ميزانياتها العسكرية في أعقاب دعوة ترامب، ويتوقع التحالف أن تحقق 11 دولة هدفها المتمثل في إنفاق 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع في عام 2023، ارتفاعًا من سبع دول في العام السابق.

ففي حين كثف كل من حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي عملهما بشأن قضايا الأمن البحري في السنوات الأخيرة، فإن تركيزهما ينصب بشكل أساسي على حماية طرق التجارة المرتبطة بأوروبا، مثل الخليج الفارسي والبحر الأبيض المتوسط ​​وبحر البلطيق والقطب الشمالي.

ويحذر المسؤولون الغربيون المشاركون في المناقشات حول الأمن البحري من أن نطاق النية الجغرافية أقل بكثير مما توفره الولايات المتحدة على مستوى العالم، وأن هذا التصعيد لا يرتبط بشكل مباشر بالمخاوف من أن تؤدي رئاسة ترامب إلى خفض الوجود البحري الأمريكي بشكل كبير.

انضمت بريطانيا وفرنسا والعديد من قوى الناتو إلى مهام حماية التجارة العالمية في البحر الأحمر، وتقاعست مصر والسعودية اللتان لا تريدان مواجهة مع الحوثيين.

أما بالنسبة للصين، فقد انضمت إلى بعض جهود مكافحة القرصنة، لكنها رفضت بشكل ملحوظ المشاركة في حماية البحر الأحمر من الحوثيين.

أهمية القوة البحرية الأمريكية للتجارة العالمية

تدعم الولايات المتحدة التجارة من خلال جعلها أكثر كفاءة وفعالية من حيث التكلفة للدول في جميع أنحاء العالم، وبالتالي، لم تعد هذه الدول بحاجة إلى بناء قوات بحرية لحماية مصالحها الجيوسياسية، والتي تمتد إلى خطوط الشحن العالمية.

كما أنها لا تحتاج إلى أسطول تجاري ضخم، مما من شأنه أن يزيد من تكاليف الشحن الدولي التي يتعين على المستهلكين تحملها عادة.

ورغم تنامي الأسطول البحري الصيني إلا أنه ليس فعالا في حماية التجارة العالمية كما هو حال نظيره الأمريكي بالدرجة الأولى والأوروبي الإنجليزي بالدرجة الثانية.

حتى الآن من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية هي شرطي العالم، وليس لدى الرئيس دونالد ترامب أي مشكلة ليبقى الوضع على ذلك بشرط أن تزيد دول الناتو انفاقها وتشتري الدول الأسلحة الأمريكية وتستثمر اكثر في الولايات المتحدة كي تدعم النظام العالمي الحالي.