الجيش الألماني الناتو ألمانيا

يقول بوتين إن روسيا مستعدة للحرب ضد أوروبا بأكملها، وهذا يشمل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وبولندا والنمسا والنرويج وفنلندا والسويد واسبانيا وإيطاليا واليونان والبرتغال وألبانيا وكلها في سباق للتسلح منذ الغزو الروسي لأوكرانيا.

لكن لهذا الإدعاء أهمية بالغة، ليس لأنه واقعي، بل لأنه يشير إلى شيء أعمق حول التوتر الداخلي في روسيا، وموقفها التفاوضي، وكيف يؤثر الخوف على الدبلوماسية.

وإذا أردنا أن نفهم كيف ستبدو الحرب الروسية الأوروبية على أرض الواقع، فعلينا أن نكشف كل جوانب هذه الحرب: الدبابات، والطائرات المسيّرة، والصواريخ، والأسلحة النووية، والقوى البشرية، وشبكات التحالف، والإنتاج الصناعي، والقدرة اللوجستية، وحتى المرتزقة.

إذ أصبح من الواضح بعد سنوات طويلة من الحرب الروسية الأوكرانية أن روسيا تضخم من نفسها ومن قدراتها وأن الإعلام الغربي ساهم في تضخيمها بأسلوب الصحافة الشعبية أو ما يسمى الصحافة الصفراء التي تلعب على المخاوف.

ولا يجب أن ننسى أنه قبل الغزو الروسي لأوكرانيا كان الإعلام الغربي يتحدث عن إمكانية سقوط كييف في أسبوع إلى شهر كأقصى حد للتقدير، لدرجة أن المخابرات الأمريكية أصدرت تقريرا أكدت فيه التوقع نفسه، ثم تبين أن ذلك مجرد تضخيم لروسيا وأن أوكرانيا ما هي إلا مستنقع جديد لروسيا يشبه ما عان منه الإتحاد السوفيتي في أفغانستان.

مرة أخرى تتبجح روسيا بقدراتها على غزو أوروبا وتظهر الإتحاد الأوروبي في موقف الضعف، لكن الحقيقة أن ألمانيا عادت للتسلح السريع وتنفق لوحدها 92 مليار يورو وهي ليست في حالة حرب بعد، وهي ميزانية أكبر من نظيرتها الروسية في الحالة العادية، دون أن نحتسب الإنفاق العسكري البريطاني والفرنسي والقوى الأوروبية الأخرى.

ولا تستورد هذه القوى الأسلحة الأمريكية فحسب بل إنها في سباق لإنتاج الطائرات المسيرة وأحدث الدبابات والعمل على مشاريع طائرات الجيل الخامس، وقد دخلت السويد هذا السباق فيما تحولت أوكرانيا إلى واحدة من أعظم منتجي الطائرات المسيرة الأخطر في العالم.

في المقابل تضررت روسيا عسكريا بشكل فادح في أوكرانيا وهي بحاجة إلى سنوات طويلة كي تكون مستعدة لمواجهة أوروبا الغربية.

بدأت روسيا الحرب في أوكرانيا بحوالي 900 ألف جندي في الخدمة الفعلية، ونحو مليوني جندي في الإحتياط، بعد أربع سنوات تكبدت روسيا أكثر من نصف مليون قتيل وجريح أرقام لا يمكن إخفاؤها حتى بالنسبة لهم.

تعوّض موسكو هذا النقص بموجات من المجندين المتعاقدين والتعبئة السرية، لكن هناك حدًا أقصى فالبلاد تعاني من نقص في الشباب القادرين على القتال.

لطالما حذّر علماء السكان الروس من هذا الأمر لسنوات الحرب ببساطة سرّعت من وتيرة هذا النقص، ناهيك على موجات الهجرة للأثرياء والشباب إلى الإمارات وحتى دول غربية مختلفة هربا من التجنيد ومن الأزمة الاقتصادية في روسيا.

ثم تأتي مسألة العتاد، يُعدّ أسطول الدبابات الروسي مادةً للسخرية في أوساط المحللين العسكريين، بدأوا بحوالي 3000 دبابة حديثة نسبياً.

بعد خسارة الآلاف، يُخرجون الآن دبابات T-62 وT-55 من الحقبة السوفيتية من مخازنهم وهي مركبات أقدم من معظم جنرالات الناتو.

قدرتهم على إنتاج دبابات جديدة تتراوح بين 30 و40 دبابة شهرياً في أفضل الأحوال، لكن أوكرانيا تدمرها بوتيرة أسرع من ذلك باستخدام أسلحتها التي تنتجها والأسلحة الغربية التي تستوردها في نفس الوقت.

تخيل الآن توسيع نطاق هذا الإنتاج لمواجهة الناتو، وهو تحالف قد يفوق عدد دباباته عدد الدبابات الروسية بخمسة أضعاف في غضون أسابيع، يمكن لروسيا أن تُعلن ما تشاء عن التصعيد، لكن الواقع مأساوي بالنسبة لهم.

أضف إلى ما سبق أن روسيا لا تزال المكونات تُستورد من الخارج، ولم تحل بعد معضلة “الطائرات المسيّرة الرخيصة في مواجهة أجهزة التشويش المتطورة التابعة لحلف الناتو”.

تُشوش أوكرانيا على الطائرات المسيّرة الروسية باستمرار، وأنظمة الحرب الإلكترونية التابعة لحلف الناتو أكثر فتكًا بكثير، قد تُغرق روسيا سماءها بطائرات “شاهد”، لكن أوروبا قادرة على تعطيلها بشكل جماعي.

يمتلك حلف الناتو بنيةً متطورةً للحرب الإلكترونية تتجنبها روسيا لسبب وجيه، لأنها تعرف ببساطة أنها لا تستطيع هذا العملاق العسكري الذي توسع على حدود روسيا بفضل غباء بوتين الذين دفع فنلندا والسويد إلى الناتو.

كما أنه بالكاد استطاعت روسيا الحفاظ على خطوط الإمداد مفتوحةً لمسافة 80 كيلومترًا داخل أوكرانيا، لكن في الحرب مع أوروبا ستحتاج إلى مدّ هذه الخطوط عبر أوروبا الشرقية، حيث كل طريق سريع مُحدّد، وكل خط سكة حديد مُراقب بالأقمار الصناعية، وتتمتع القوات الجوية التابعة لحلف الناتو بحرية مطلقة في تدمير أي قافلة تراها.

لا تعاني روسيا من ضعف لوجستي فحسب، بل من مركز ثقل لوجستي، كل شيء يصبح أبطأ وأكثر عرضة للخطر وأكثر كارثية كلما ابتعد عن حدود روسيا.

شاحنات الإمداد، وأرتال الوقود، وناقلات الذخيرة سيحولها حلف الناتو إلى خردة قبل أن تصل إلى أول مدينة رئيسية، في الوقت نفسه، أوروبا ليست بالخصم السهل كما كانت تُصوَّر في نكات الحرب الباردة.

بعد أن شهدت الدول الأوروبية قتالًا شرسًا في أوكرانيا على كل كيلومتر، أعادت بناء جيوشها بهدوء (وبشكل علني)، ألمانيا تنفق أموالًا طائلة مجددًا، فيما سلاح الجو الملكي البريطاني هو أحدث القوات الجوية في العالم.

يمتلك الجيش البولندي جيشًا متطورًا بشكل ملحوظ لدرجة أن حتى الجنرالات الأمريكيين يعلقون عليه، وقد ركزت مواردها على التسلح وتطوير أنظمتها العسكرية في السنوات الأخيرة.

لقد حصّنت دول البلطيق مجتمعاتها بأكملها للحرب، إذ أن انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو غيّر الخريطة تمامًا، فأصبح الجناح الشمالي لروسيا فجأةً مكشوفًا أمام بعضٍ من أكفأ الجيوش في العالم.

أما فرنسا؟ قد تختلف فرنسا مع جيرانها أحيانًا، لكن عندما يتعلق الأمر بالحرب، فإن الجيش الفرنسي يضرب بقوة وسرعة، ولديه واحدة من أفضل الصناعات العسكرية في العالم.

لا تستطيع روسيا مواجهة هذا التحالف والانتصار عليه، ولن تنضم الصين إلى الحرب الأوروبية لأنها ستكون في حالة ضعف وستستهدفها الولايات المتحدة الأمريكية وجيرانها من أعدائها مثل الهند وفيتنام والفلبين وكوريا الجنوبية وتايوان، كما أن بكين لن تخاطر بمصالحها المالية الكبرى من أجل روسيا التي لا تملك أكثر مما قدمته لبكين.

يمتلك حلف الناتو حوالي 3500 طائرة مقاتلة مقابل 900 طائرة تملكها روسيا ثلثها إما معطلة أو تُستخدم قطع غيارها، فيما طلبت أوروبا مئات من طائرات اف 35 الأمريكية وهناك نسخ جديدة ومتطورة من الطائرات الفرنسية والبريطانية ومشروع الجيل الخامس الذي تعمل ليه السويد ودول أخرى.

يُجري طيارو الناتو ساعات طيران فعلية، بينما يكتفي الطيارون الروس بتدريبات محاكاة، ويأملون ألا تتعطل رادارات طائراتهم أثناء الطيران.

تتحول الحرب بين الناتو وروسيا إلى حرب جوية في لحظات، وبمجرد أن يسيطر الناتو على الأجواء، تصبح القوات البرية الروسية هدفًا سهلًا.

بدون غطاء جوي، تفقد روسيا كل ما تبقى لديها من قدرات هجومية، لذا قد تلجأ موسكو إلى آخر ورقة لها وهي الحرب النووية التي لطالما هددت بها.

لكن المفاجأة هي أنه لا تستطيع روسيا شنّ هجوم نووي على أوروبا دون ضمان فنائها، ليس هذا تباهيًا، بل هو جوهر مبدأ الردع النووي المتبادل، والكرملين يعلم ذلك.

الجميع يعلم أن استخدام النووي الروسي يقابله استخدام النووي البريطاني والفرنسي، وأن الأسلحة النووية أدوات ضغط وليست أسلحة ميدانية.

لو استخدمت روسيا سلاحًا نوويًا واحدًا، لكان ذلك القرار الأخير الذي تتخذه الدولة الروسية، التهديد النووي يهدف إلى ترهيب المدنيين، لا إلى تغيير نتائج المعارك.

لكن هناك جانبًا آخر يُغفل عنه الكثيرون، روسيا لا تملك حلفاء قادرين على تقديم مساعدة فعّالة في حرب بين روسيا وحلف الناتو، لا الصين المحاصرة في جنوب شرق آسيا بكتلة من الدول التي تتنازع معها في بحر الصين، ولا إيران الجريحة التي تتربص بها إسرائيل ودول الخليج، ولا فنزويلا الفقيرة، ولا كوريا الشمالية التي أرسلت جنودها إلى أوكرانيا بلا فائدة.

على النقيض تماما أوروبا لديها حلفاء لعل أبرزهم أستراليا وكندا والولايات المتحدة الامريكية، وبينما قد لا تشارك الأخيرة في الحرب بعهد ترامب لكن ما أن يصل الديمقراطيون للسلطة حتى تنضم أمريكا إلى الحرب لحسمها بشكل نهائي كما فعلت في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

لا تستطيع روسيا خوض حرب مع أوروبا والحفاظ على استقرار مجتمعها في الوقت نفسه، وكما رأينا محاولة الإنقلاب الفاشلة التي قادتها فاغنر من قبل سنرى محاولات عديدة وفوضى في موسكو تستدعي من أوروبا الوصول إلى النووي الروسي للسيطرة عليه قبل أن يتم تفكيكه ويسقط في يد الجماعات الإرهابية.

في المقابل، لا تحتاج أوروبا إلى تجنيد الملايين، فتفوقها التكنولوجي يُغني عن العدد الهائل بالدقة، وسيكون الطيران والقصف الجوي والبحري والتشويش بالأنظمة الرقمية والأقمار الصناعية عصب الهجوم الأوروبي على روسيا.

كما أن هيمنة الناتو في البحار طاغية بشكل مرعب، لهذا سيكون الأسطول الروسي في المحيط الأطلسي والبحر الأسود هدفا للهجمات الغربية حيث تكون معظم أصوله عرضة للخطر بمجرد بدء الأعمال العدائية.

الجيش الروسي يعاني بالفعل من استنزاف حاد داخل أوكرانيا، وإنتاجه من الذخيرة، على الرغم من ضخامته، لا يكفي لتغطية جبهتين، لذا يستورد الأسلحة من كوريا الشمالية وإيران، وسلاحه الجوي لا يستطيع الصمود في معركة مع حلف الناتو، وإمداداته اللوجستية لا تدعم الوهم الذي يعتمد عليه كتّاب خطابات بوتين.

لكن التهديدات الروسية التي يضخمها الإعلام الغربي والصحافة الصفراء تحديدا ويترجمها العرب ويصدقها القارئ المغفل، ما هي إلا تكتيك روسي لاستعادة الهيبة التي دمرتها أوكرانيا والضغط للفوز في المفاوضات.

في الواقع، الحرب الوحيدة التي يمكن لروسيا شنّها ضد أوروبا بأكملها هي حرب خطابية، وحرب ترهيب، وحرب هجمات إلكترونية، وحرب ضغوط سياسية.

أما المواجهة المباشرة فستنتهي بكارثة شاملة لدرجة أن حتى دعاة الكرملين سيجدون صعوبة في ترويجها وتبريرها للشعب الروسي الذي لم يعد يثق في القيادة الروسية التي وعدته بنصر سريع وخاطف في أوكرانيا.

لكن أوروبا ليست ساذجة إنها تسمع تهديدات بوتين، إنها تتذكر التاريخ وهي تعيد تسليح نفسها بسرعة وجدية لم يتوقعها بوتين قط، كما لم يتوقع أبدا ان تتخلى عن الوقود الأحفوري الروسي وتجد بدائل له.

فرنسا تسعى جاهدة للحصول على “ضمانات راسخة”، وألمانيا تنشر طائرات مسيرة مزودة بصواريخ، وبولندا تخزن المدفعية، وفنلندا تحرك قواتها على طول الحدود هذه ليست تصرفات مؤقتة بل هي تصرفات قارة تستعد لمواجهة طويلة الأمد.

وإذا كانت هذه المواجهة الطويلة تشمل روسيا التي تستمر في التهديد “بمهاجمة أوروبا”، فستقرر أوروبا في نهاية المطاف أنها سئمت من التهديدات.

وحلف الناتو الذي سئم من التهديدات يشكل خطراً أكبر بكثير على الكرملين من أي هجوم مضاد أوكراني، وهو الذي زاد من الإنفاق بشكل مذهل بفضل ضغوط ترامب.