في تطور خطير يعكس عمق الانقسامات الطائفية في سوريا الجديدة، تبنى تنظيم “سرايا أنصار السنة”، وهو فصيل مسلح ذو توجهات سلفية، مسؤولية إشعال حرائق غابات واسعة النطاق في الساحل السوري خلال يوليو 2025.
هذه الحرائق، التي التهمت جبالاً وغابات وقرى بأكملها في محافظتي اللاذقية وطرطوس، لم تكن مجرد كارثة بيئية، بل جزءًا من استراتيجية ممنهجة تهدف إلى تهجير العلويين، الأقلية الدينية التي شكلت العمود الفقري لنظام بشار الأسد السابق.
طبيعة حرائق الساحل السوري ومدى انتشارها
خلال الأيام الأولى من يوليو 2025، شهدت مناطق الساحل السوري، وخاصة غابات قسطل معاف في اللاذقية، حرائق هائلة أتت على مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية والغابات العريقة التي يعود عمرها إلى قرون.
وفقًا لوزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري، رائد الصالح، تم تسجيل 23 حريقًا في محافظات اللاذقية، طرطوس، حماة، وإدلب، حيث شارك أكثر من 50 فريق إطفاء في محاولات يائسة للسيطرة على النيران.
ومع ذلك، فإن تبني “سرايا أنصار السنة” لهذه الحرائق كشف أنها لم تكن ناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة أو الرياح كما زُعم في البداية، بل كانت أعمالاً متعمدة تهدف إلى إلحاق الضرر بالمجتمعات العلوية التي تشكل الغالبية في هذه المناطق.
تقرير صادر عن المرصد السوري لحقوق الإنسان أشار إلى أن هذه الحرائق ليست حالة منعزلة، بل جزء من سلسلة تضم حوالي 80 حريقًا مفتعلاً في المناطق ذات الأغلبية العلوية منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.
هذه الأعمال تُعتبر، بحسب المرصد، جزءًا من عمليات “تطهير عرقي” تهدف إلى تهجير العلويين من أراضيهم التاريخية، مما يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
دوافع طائفية واضحة خلف حرائق الساحل السوري
“سرايا أنصار السنة”، التي تبنت أيضًا تفجيرًا انتحاريًا استهدف كنيسة مار إلياس في دمشق في يونيو 2025، أعلنت صراحةً أن الحرائق تستهدف “إجبار العلويين على مغادرة أراضيهم”.
هذا التصريح يكشف عن بعد طائفي واضح، حيث يُنظر إلى العلويين، الذين شكلوا قاعدة النظام السابق، كأهداف مشروعة للانتقام من قبل بعض الفصائل السنية السلفية.
هذه الدوافع تأتي في سياق تاريخي معقد، حيث ارتبط العلويون، الذين يشكلون حوالي 10% من سكان سوريا، بحكم عائلة الأسد على مدى نصف قرن، مما جعلهم عرضة للاستهداف بعد سقوط النظام.
ومع ذلك، فإن استهداف العلويين ككل، بمن فيهم المدنيون الذين لم يشاركوا في دعم النظام، هو ظلم فادح يعكس استمرار دورة العنف الطائفي التي غذت الحرب الأهلية السورية.
شهادات من ناجين، مثل تلك التي وثقتها بي بي سي، تؤكد أن المسلحين كانوا يستهدفون العلويين بشكل مباشر، حيث اقتحموا المنازل وسألوا السكان عن طائفتهم قبل تنفيذ عمليات القتل أو النهب.
ةهذه الأعمال تمتد الآن إلى استخدام التخريب البيئي كسلاح لتدمير سبل عيش الأقليات ودفعهم إلى الهجرة القسرية.
سياق الانتهاكات ضد العلويين
لم تكن حرائق الساحل حدثًا منفصلاً، بل امتدادًا لموجة عنف طائفي بدأت بعد سقوط نظام الأسد. في مارس 2025، شهدت المنطقة الساحلية مجازر مروعة استهدفت العلويين، حيث وثقت منظمات حقوقية، مثل المرصد السوري لحقوق الإنسان، مقتل ما يقرب من 1500 مدني علوي في 40 موقعًا، بما في ذلك عمليات إعدام ميدانية وتشويه جثث.
هذه الأحداث، التي جرت رداً على تمرد قام به ضباط موالون للأسد، كشفت عن تورط فصائل مسلحة تابعة للحكومة الانتقالية، بما في ذلك وحدات من هيئة تحرير الشام وفصائل أخرى مثل فرقة السلطان سليمان شاه وفرقة الحمزة، والتي تخضع بعضها لعقوبات دولية بسبب انتهاكات سابقة لحقوق الإنسان.
تقرير وكالة رويترز، المنشور في يونيو 2025، أشار إلى أن هذه المجازر كانت تتبع نمطًا واضحًا: مسلحون يقتحمون المنازل، يسألون السكان عن طائفتهم، ثم يقررون مصيرهم بناءً على إجاباتهم.
هذه الأعمال، التي وصفتها منظمة العفو الدولية بـ”جرائم الحرب”، عكست شعورًا بالإفلات من العقاب بين الجناة، حيث سجلت مقاطع فيديو تظهر فخر المسلحين بأفعالهم.
الحرائق الحالية تمثل تصعيدًا في هذه الاستراتيجية، حيث تحولت الأدوات من القتل المباشر إلى التدمير البيئي لتحقيق نفس الهدف: تهجير العلويين.
دور الحكومة الانتقالية في حرائق الساحل
يواجه أحمد الشرع، الرئيس المؤقت لسوريا الجديدة، انتقادات حادة بسبب تقاعسه في حماية الأقليات.
على الرغم من إعلانه تشكيل لجنة تحقيق مستقلة في أحداث الساحل في مارس 2025، فإن منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش شككت في نزاهة هذه اللجنة بسبب سيطرة الشرع على هياكل السلطة.
وعلى الرغم من تعهده بمحاسبة المتورطين في سفك دماء المدنيين، لم تُسفر هذه التحقيقات عن نتائج ملموسة حتى يوليو 2025.
كما أن الحكومة الانتقالية، التي تعتمد بشكل كبير على فصائل مسلحة سابقة مثل هيئة تحرير الشام، فشلت في ضبط هذه المجموعات، التي يبدو أنها تعمل بحرية في ظل غياب الرقابة.
مصدر أمني أكد لبي بي سي أن قوات الأمن والجيش السوري لا تضم أي عناصر علوية، مما يعكس استبعادًا منهجيًا للأقلية في هياكل السلطة الجديدة، هذا الاستبعاد يعزز من شعور العلويين بالتهميش والخوف، ويجعلهم أكثر عرضة للاستهداف.
الخسائر البيئية والإنسانية لحرائق الساحل
الحرائق لم تقتصر على تدمير الغابات، بل أثرت بشكل مباشر على سبل عيش السكان المحليين.
العلويون، الذين يعتمدون على الزراعة وصيد الأسماك كمصادر دخل رئيسية، فقدوا أراضيهم ومصادر رزقهم، مما دفع المئات من العائلات إلى النزوح.
شهادات من سكان الساحل، مثل تلك التي وثقتها بي بي سي، تتحدث عن قرى تحولت إلى رماد، مع انعدام الطعام، الماء، والكهرباء، مما جعل الحياة مستحيلة.
على الرغم من أن الحرائق أثرت أيضًا على طوائف أخرى، مثل السنة، المسيحيين، والتركمان في الساحل، إلا أن الدوافع الطائفية الواضحة وراءها جعلت العلويين الضحية الأساسية.
هذا التأثير المتباين يعكس استراتيجية تهدف إلى إضعاف النسيج الاجتماعي متعدد الطوائف في الساحل، الذي كان تاريخيًا نموذجًا للتعايش السلمي.
الخوف والهجرة القسرية لحرائق الساحل
منذ سقوط نظام الأسد، فرت الآلاف من العائلات العلوية من الساحل خوفًا من موجات الانتقام.
الحرائق عززت هذا الخوف، حيث يعيش العلويون تحت وطأة “رقابة ذاتية قسرية”، كما وصفها تقرير لموقع “المدن”، حيث يتجنبون استخدام الهواتف أو وسائل التواصل الاجتماعي خوفًا من التفتيش الأمني.
هذه الحالة من العزلة والخوف تدفع المزيد من العلويين إلى الهجرة، مما يهدد بتفريغ الساحل من سكانه الأصليين وإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للمنطقة.

