سوق الخضروات مصر

لم يعد خطر نظام الطيبات محصورًا في شيطنة الدجاج والبيض، فالنظام الذي قدمه ضياء العوضي بوصفه “ثورة صحية” لا يهاجم قطاع الدواجن فقط، بل يمد يده إلى الخضروات، الورقيات، البقوليات، وبعض الفواكه.

وهنا تصبح الكارثة أوسع، لأن الضحية هذه المرة ليست شركة عالمية، ولا مصنعًا مجهولًا، بل فلاح صغير في القرية، وبائع خضر في السوق الشعبي، وعامل يومي في الحقول، وامرأة تعيش من فرز الخضر، وسائق شاحنة ينقل الطماطم والخيار والخس إلى المدن.

من الدجاج إلى الطماطم.. كيف يتوسع خطاب التخويف؟

في نظام الطيبات الذي ابتدعه الدكتور ضياء العوضي بلا أي أساس علمي، لا تقف قائمة الممنوعات عند الدواجن والبيض.

وفق ما يتم تداوله في شروحات النظام، تُمنع البقوليات مثل الفول والعدس واللوبيا والحمص والفاصوليا، وتُهاجم الخضروات النيئة، بل تُصور بعض الخضر والورقيات كأنها غير مناسبة للبشر أو “أكل حيوانات”.

كما تُذكر أصناف مثل البصل والثوم والبقوليات وبعض الفواكه في سياق المنع أو التحذير، مع استثناءات محدودة ومطهوة في بعض الروايات المتداولة عن النظام.

وقد حذّر أطباء وخبراء التغذية من تبعات هذا النظام، خصوصًا منع الخضروات الغنية بالألياف والبقوليات، لأن الأمعاء والميكروبيوم يحتاجان إلى الألياف والمغذيات النباتية، لا إلى إقصاء جماعي لمجموعات غذائية كاملة.

إذا صدّق الناس أن الخضروات النيئة والبقوليات “مضرة”، فإن الطلب عليها قد يتراجع، ومعه يتراجع دخل آلاف الفلاحين وباعة الأسواق، هنا تتحول الخرافة الغذائية إلى ضربة اقتصادية مباشرة.

الفلاح الصغير هو الضحية الأولى

لا يملك الفلاح الصغير صندوقًا ماليًا ضخمًا، ولا يستطيع تخزين الطماطم والخيار والخس لأشهر، ولا يستطيع الانتظار حتى تمر هذه الموجة، فالخضروات سريعة التلف والواقع لا يرحم.

إذا ضعف الطلب على الطماطم أو الخيار أو الخس أو السبانخ أو البصل أو الفول والعدس، فإن الأسعار في الحقول والأسواق قد تهبط بسرعة، سيظن المستهلك أن ذلك خبر جيد، لكنه بالنسبة للفلاح قد يكون كارثة؛ لأنه يبيع بأقل من تكلفة السقي والأسمدة والعمالة والنقل، وإذا تكرر الأمر، سيتوقف عن الزراعة أو يقلل المساحات، ومن ثم سيطرد العمال الموسميين.

في المغرب، لا يمكن التعامل مع هذا الخطر باستخفاف، فالقطاع الفلاحي نفسه تعرض لضربات قوية بسبب الجفاف، وذكرت رويترز أن معدل البطالة في المغرب ارتفع إلى 13.3% في 2024، وأن القطاع الفلاحي فقد 137 ألف منصب شغل بعد سنة جفاف سابعة متتالية.

ورغم انتهاش هذه الصناعة بفضل الأمطار القياسية وامتلاء السدود بداية من العام الجاري إلا أن أي ضربة كبيرة في الطلب ستوقف انتعاش هذا القطاع الذي لا يزال من أكبر محركات الاقتصاد المغربي.

في مصر، الخطر لا يقل أهمية، فالزراعة قطاع استراتيجي، وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الزراعة تسهم بنحو 13.7% من الناتج المحلي الإجمالي في مصر، وتوفر حوالي 19% من العمالة، ما يجعل أي اضطراب في سلاسل الغذاء مسألة اقتصادية واجتماعية واسعة.

كما تشهد مصر نموًا واضحًا في صادراتها الزراعية؛ إذ يشير تقرير حديث عن قطاع التكنولوجيا الزراعية المصري إلى أن صادرات الزراعة بلغت 8.6 مليون طن في 2025، بزيادة 72% مقارنة بعام 2018، مع نمو القطاع الزراعي بنسبة 2.76% في السنة المالية 2024/2025.

هذا يعني أن شيطنة الخضر والبقوليات في مصر لا تمس فقط موائد الناس، بل تمس قطاعًا يشغل ملايين ويغذي السوق المحلي ويدعم الصادرات. فإذا اتسعت الموجة، فإن أثرها قد يصل إلى الفلاحين في الدلتا والصعيد، وباعة الأسواق الشعبية، ومصانع الأغذية، وسلاسل النقل والتخزين.

بائع الخضر في السوق الشعبي ليس عدوًا للصحة

أخطر ما في نظام الطيبات أنه يوهم الناس بأنهم في معركة ضد “أطعمة خبيثة”، لكنه يخفي الوجوه البشرية خلف هذه الأطعمة.

بائع الخضر في السوق الشعبي ليس جزءًا من مؤامرة عالمية، ولا يعمل لصالح شركات أدوية، ولا يخطط لتسميم الناس بالخيار والطماطم، إنه رجل أو امرأة يشتري السلعة من سوق الجملة، يضعها على عربة أو بسطة، ويبيعها بهامش صغير كي يطعم أسرته.

واليوم هناك الملايين من أمثال هذا البائع في شمال أفريقيا والشرق الأوسط قوتهم اليوم في خطر بسبب الحديث على أن الخضروات مسرطنة ومضرة بالصحة دون دليل علمي.

نظام الطيبات يهدد الزراعة المحلية!

إذا تراجع الطلب بنسبة 10% فقط على بعض الخضر التي يهاجمها النظام، فقد يعني ذلك خسائر كبيرة في أسواق الجملة، وتراجعًا في دخل العمال الموسميين، وضغطًا على الفلاحين الصغار.

وإذا توسعت المقاطعة إلى 20% أو أكثر في مناطق معينة، قد نرى محاصيل تباع بأقل من تكلفتها أو تترك في الحقول.

والأسوأ من هذا أن نظام الطيبات لا يقدم بديلا صحيا للخضروات ما يعرض صحة الملايين من أتباعه للتدهور السريع بعد التحسن الوهمي لعدة أشهر.

وفي حال عاد الناس إلى استهلاك الخضروات سيجدون المعروض قد أصبح قليلا بسبب توقف زراعة الخضروات والمحاصيل التي تعرضت للمقاطعة وسينجم عن ذلك التحول إلى الإستيراد وتدمير الزراعة المحلية!