
لم يعد نظام الطيبات في مصر مجرد نقاش حول ما يأكله الفرد بل تحول إلى حركة شبه دينية تدعو إلى مقاطعة واسعة للدواجن والبيض ومنتجات غذائية أساسية للأمن الغذائي في مصر.
وقد أبدى العشرات من باعة الدواجن استياءهم من الحملة التي تهددهم بخسائر فادحة وبإخراجهم من السوق، في وقت يفترض أن يبحث فيه المستهلك عن البروتين الرخيص بسبب موجة الغلاء التي تسببت فيها حرب إيران.
ويهدد نظام الطيبات الذي تسوق له الطامة الكبرى من الناس على مواقع التواصل، ملايين الوظائف في مصر ونتحدث عن 3.5 مليون وظيفة مباشرة وغير مباشرة، وقد نشرنا أيضا أنه يهدد نصف مليون وظيفة في المغرب.
أهمية قطاع الدواجن للوظائف في مصر
في دولة يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة، نجد أن قطاع الدواجن من أهم أعمدة الأمن الغذائي والتشغيل الريفي وشبه الريفي، وهو مصدر البروتين الرخيص للملايين من المصريين.
وتؤكد تقارير محلية نقلًا عن بيانات حكومية أن قطاع الدواجن في مصر ينتج حوالي 1.5 مليار دجاجة سنويًا و14 مليار بيضة، ويغطي قرابة 98% من احتياجات السوق المحلي، مع وجود فائض قابل للتصدير في بعض الفترات، كما تتجاوز الاستثمارات في القطاع 200 مليار جنيه مصري، ويوفر فرص عمل لنحو 3.5 مليون مواطن.
وهناك تقديرات أخرى تضع العمالة في قطاع الإنتاج للدواجن عند حوالي 2.5 مليون عامل، مع وجود عشرات الآلاف من المنشآت العاملة في التربية والإنتاج والتجارة، ما يؤكد أن الحديث عن “ملايين الوظائف” ليس مبالغة دعائية بل تعبير عن حجم سلسلة طويلة جدًا من الأنشطة المرتبطة بالدواجن والبيض.
ماذا سيحدث عند مقاطعة الدواجن في مصر؟
إذا تسبب خطاب نظام الطيبات في خفض الطلب على الدجاج والبيض بنسبة 10% فقط، فإن ذلك لا يعني أن الناس اشتروا كميات أقل من سلعة عادية، بل يعني أن نحو 350 ألف وظيفة داخل السلسلة قد تدخل دائرة الخطر نظريًا، إذا استخدمنا رقم 3.5 مليون فرصة عمل كقاعدة تقديرية.
هذه الوظائف لن تختفي كلها في يوم واحد، لكن الضغط سيبدأ فورًا، إذ أن المربي سيبيع بخسارة ثم يخفض دورات التربية، بينما مصنع الأعلاف سيبيع كميات أقل، والمحضنة ستقلل إنتاج الكتاكيت، كما أن الطبيب البيطري سيخسر جزءًا من عمله.
سائق النقل سيجد طلبيات أقل، وبائع الدجاج سيخفض العمالة، والمطعم الشعبي سيغير مشترياته، والمزارع الصغيرة، وهي الأضعف ماليًا، ستكون أول من يسقط.
سيخرج المستثمرين من هذا القطاع لأنه يتكبد الخسائر وستتوجه الأموال إلى قطاعات مستفيدة من نظام الطيبات، ثم سترتفع أسعار الدواجن مع قلة المعروض في السوق.
لماذا الدجاج والبيض أهم من مجرد سلعة؟
في مصر، الدجاج والبيض ليسا رفاهية غذائية بل هما بروتين الطبقات الشعبية والوسطى، فقد ارتفعت أسعار اللحوم الحمراء والأسماك منذ سنوات طويلة، وتحول البيض والدجاج إلى خط الدفاع الأخير في مائدة ملايين الأسر.
ومثل نظيره في المغرب تمكن قطاع الدواجن المصري من تحقيق درجة عالية من الاكتفاء الذاتي، مع إنتاج ضخم يغطي معظم احتياجات السوق، وهو ما يجعل ضرب الثقة فيه خطرًا على الأمن الغذائي، لا على المربين وحدهم.
التقارير الحكومية والإعلامية تشير إلى أن الإنتاج السنوي يصل إلى 1.5 مليار دجاجة و14 مليار بيضة، وأن القطاع يغطي نحو 98% من احتياجات السوق المحلي.
إذا صدّق الناس أن الدجاج والبيض “خبائث” أو “سموم”، فالسؤال العملي هو: ماذا سيأكل الفقراء؟ هل سيعوضون البيض باللحوم الحمراء؟ هل سيشترون الأسماك يوميًا؟ هل تملك الأسر المصرية دخلًا يسمح لها بتعويض أرخص مصادر البروتين بسهولة؟
هذه هي الفجوة التي لا يجيب عنها خطاب نظام الطيبات، فهو يشيطن الطعام، لكنه لا يقدم بديلًا اقتصاديًا حقيقيًا للمجتمع.
سلسلة اقتصادية كاملة خلف البيضة الواحدة
في أبريل 2026، تحدثت تقارير متخصصة عن تراجع ملحوظ في أسعار الدجاج والبيض في مصر بسبب ضعف الطلب وفائض المعروض، ما دفع بعض المنتجين إلى البيع بخسارة.
وذكرت تقارير أن تكلفة إنتاج طبق البيض بلغت نحو 116 جنيهًا، بينما هبطت أسعار السوق إلى حوالي 100 جنيه، بعدما كانت عند مستويات أعلى في وقت سابق من العام.
كما تؤكد تقارير متطابقة أن أسعار الدواجن والبيض تراجعت بنحو 25% خلال شهر واحد بسبب ارتفاع الإنتاج وضعف الطلب، في وقت يواجه فيه المنتجون ضغوطًا من تكاليف الأعلاف ومحدودية بعض الإمدادات، ما ترك عددًا من المنتجين يبيعون بأقل من تكلفة الإنتاج.
ومن المتوقع أن ترتفع الأسعار ما أن يتراجع المعروض بسبب خروج المنتجين من السوق ما سيهدد الأمن الغذائي وسيكون ضربة للفقراء الذين سيكافحون بصورة أسوأ للحصول على البروتين.
