أكبر الدول التي تصدر الأسلحة

خلال معظم فترة ما بعد الحرب الباردة، فرضت ألمانيا قيودًا مشددة على تصدير الأسلحة، وقيودًا على تصديرها إلى مناطق النزاع، لطالما اعتُبرت هذه السياسة سمةً مميزةً للسياسة الخارجية الألمانية.

إلا أن أحدث الإحصاءات من مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تُظهر واقعًا مختلفًا، فسوق الأسلحة العالمي يتطور بوتيرة متسارعة، متأثرًا بالحروب في أوروبا وتصاعد التوترات في آسيا، فضلًا عن تغير الأولويات السياسية.

في عالمنا اليوم، تسيطر خمس دول فقط على توزيع الأسلحة عالميًا، وتستحوذ مجتمعةً على نحو 70% من إجمالي عمليات نقل الأسلحة في العالم.

تُظهر أحدث الأرقام تسلسلاً هرمياً واضحاً بين أكبر مُصدّري الأسلحة في العالم:

الولايات المتحدة: 42.0% من الصادرات العالمية (بزيادة 27% مقارنةً بالفترة من 2016 إلى 2020)

  • فرنسا: 9.8% (بزيادة 21%)
  • روسيا: 6.8% (بانخفاض 64%)
  • ألمانيا: 5.7% (بزيادة 13%)
  • الصين: 5.6% (بانخفاض حوالي 5%)

على الرغم من استمرار الولايات المتحدة في صدارة المشهد، إلا أن الجانب المثير للاهتمام يكمن في التغيرات الجذرية التي تحدث خلفها.

لا يوجد تشابه بين البلدين على الإطلاق، فألمانيا تتقدم بخطى متسارعة، بينما تتراجع الصين في التصنيف.

إن ازدياد حصة ألمانيا في سوق الأسلحة ليس مجرد نتيجة لزيادة مبيعاتها من الأسلحة، بل هو مؤشر على تحول سياسي كبير بدأ عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.

شكلت المساعدات العسكرية ما يقارب ربع شحنات الأسلحة الألمانية إلى أوكرانيا بين عامي 2021 و2025.

قدّمت ألمانيا العديد من الأنظمة المتطورة، بما في ذلك دبابات القتال الرئيسية ليوبارد 2 التي تألقت في الحرب الأوكرانية إضافة إلى أنظمة الدفاع الجوي آيريس تي  ومدفعية بانزرهاوبيتز 2000 ذاتية الدفع.

وتقود ألمانيا أيضًا مشروعًا ضخمًا يُعرف باسم “الدرع السماوي الأوروبي”، وهو مشروع يهدف إلى تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي في أوروبا.

يشمل البرنامج شراء أنظمة رادار متطورة وأنظمة دفاع صاروخي من قبل دول عديدة، وتُصنّع شركات الدفاع الألمانية العديد من هذه الأنظمة، مما يُتيح عقودًا ضخمة جديدة في مختلف أنحاء القارة.

قد تكون أوكرانيا أهم وجهة سياسية يُمكن تسليم الأسلحة الألمانية إليها، إلا أنها ليست الوحيدة، وبينما تتقدم ألمانيا في قائمة الدول المُصدّرة للأسلحة، تتراجع الصين إلى المركز الخامس كأكبر مُصدّر للأسلحة في العالم.

يُعدّ تركز صادرات الأسلحة عاملاً آخر ساهم في انخفاض حجم صادرات الصين نسبياً، تُصدّر الصين نحو 80% من صادراتها من الأسلحة إلى باكستان، وهي سوق صغيرة جداً، ما يعني أنه مع تباطؤ دورات التوريد في باكستان، سينخفض ​​إجمالي صادرات الصين.

وتقوم الصين حالياً بتصنيع معظم معداتها العسكرية المتطورة محلياً، وذلك للمرة الأولى منذ تسعينيات القرن الماضي.

وقد انخفضت صادرات روسيا بنحو 64% مقارنةً بالسابق وهي التي لجأت إلى استيراد الأسلحة في السنوات الأخيرة من إيران ودول أخرى.

ومن اللافت للنظر أن فرنسا وألمانيا من أكبر المستفيدين من هذا التغيير، حيث تسدان الفراغ الذي خلّفه تراجع صادرات الصين في أسواق مثل الشرق الأوسط وأفريقيا.

كثيرًا ما يُفسَّر تحوّل السياسة الألمانية بالاستعانة بالمصطلح الألماني “Zeitenwende” الذي يعني نقطة تحوّل تاريخية.

فبعد أن كانت ألمانيا تنأى بنفسها عن دور القيادة العسكرية في أوروبا، باتت اليوم تُقدّم نفسها كضامنٍ لأمن القارة، مُضاعفةً ميزانيتها العسكرية وإنتاجها للأسلحة.

لطالما ساد التوتر الجيوسياسي سوق الأسلحة العالمي، إلا أن التغييرات الراهنة تكشف عما هو أبعد من ذلك. إنه عالمٌ مضطربٌ يتجه نحو العسكرة بشكلٍ متزايد.

إن الصعود السريع لألمانيا، وتراجع روسيا كمُورِّدٍ رئيسي، ونزعة الصين الأنانية، كلها مؤشراتٌ على بيئة استراتيجية جديدة.

إذا استمرت هذه التوجهات، فقد يشهد العقد القادم تحولاتٍ أكثر جذرية في مصادر الأسلحة في العالم وفي كيفية تحديد الأمن الدولي.