
قد يبدو خطاب نظام الطيبات في ظاهره مجرد دعوة إلى تغيير نمط الأكل، أو رفض الدجاج والبيض، أو البحث عن “غذاء أنقى” كما يردد أنصاره، لكن الاقتصاد لا يتعامل مع الشعارات بهذه البراءة.
إذا قرر عدد واسع من الناس مقاطعة الدجاج والبيض، فلن يختفي طلبهم على البروتين من الهواء، بل سينتقل إلى بدائل أخرى: اللحوم الحمراء، السمك، البقوليات، وربما منتجات أغلى لا يستطيع معظم الناس تحملها.
وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية. لأن الدجاج والبيض ليسا مجرد مادتين غذائيتين عاديتين، بل هما صمام أمان غذائي واجتماعي في المغرب ومصر ومعظم الدول الناطقة بالعربية.
إنهما البروتين الأرخص والأكثر سهولة لملايين الأسر، فإذا نجح نظام الطيبات في ضرب الثقة فيهما، فإن النتيجة لن تكون “ثورة صحية”، بل ضغطًا إضافيًا على اللحوم الحمراء والسمك والبقوليات، أي على مواد تعاني أصلًا من ارتفاع الأسعار أو عدم الاستقرار.
الدجاج هو البروتين الأرخص
في المغرب، وصل استهلاك الفرد من لحوم الدواجن إلى 23.6 كيلوغرامًا سنويًا في 2025، وهو أعلى مستوى منذ سنوات، ما يعكس تحوّل الدجاج إلى مادة مركزية في غذاء الأسر المغربية، خصوصًا مع ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، كما تشير المعطيات المهنية إلى أن إنتاج بيض الاستهلاك بلغ حوالي 7.06 مليارات بيضة، أي أن البيض أيضًا يشكل جزءًا أساسيًا من البروتين اليومي الرخيص.
لا يختلف الحال أيضا في مصر التي تعد فيها الدواجن مادة أساسية في معظم الأكلات المصرية لدرجة أن الكثير من العائلات هناك لا تتناول اللحوم الحمراء والسمك إلا نادرا أو مرات عديدة على طول السنة.
والواقع هو نفسه في تونس والجزائر وبقية الدول الناطقة باللغة العربية حيث الدواجن تتوفر بأسعار منخفضة مقارنة باللحوم الحمراء التي يتم استيراد جزء مهم منها من دول أمريكا اللاتينية وحتى أستراليا.
إقرأ أيضا: نتائج نظام الطيبات.. إفلاس المزارعين وانهيار الزراعة
اللحوم الحمراء لا تحتاج إلى ضغط إضافي
أدت سنوات الجفاف إلى تراجع كبير في القطيع الوطني، وذكرت رويترز في 2025 أن الثروة الحيوانية في المغرب تضررت بشدة بعد سنوات متتالية من الجفاف، مع تراجع القطيع بنحو 38% خلال تسع سنوات، ما دفع السلطات إلى تعليق الرسوم والضريبة على واردات الماشية واللحوم الحمراء لمحاولة تهدئة الأسعار.
وفي 2026، واصلت أسعار اللحوم الحمراء ارتفاعها رغم الأمطار القياسية وتجاوز الجفاف، ففي الدار البيضاء، تراوحت أسعار الجملة للحوم البقر بين 85 و95 درهمًا للكيلوغرام، بينما تراوحت لحوم الغنم بين 100 و120 درهمًا وهي التي كانت أرخص من لحوم البقر تاريخيا.
هذا يعني أن سوق اللحوم الحمراء لا يملك قدرة واسعة على امتصاص موجة طلب جديدة قادمة من مقاطعة الدجاج والبيض، فإذا انسحب جزء معتبر من المستهلكين من الدواجن واتجه إلى اللحم، فالسعر لن ينتظر طويلًا قبل أن يتحرك صعودًا، ببساطة، العرض محدود، والطلب الإضافي يعني مزيدًا من الضغط.
في مصر لا يختلف الحال حيث اللحم الأحمر أغلى من الدجاج بعدة أضعاف، فإذا قاطع الناس الدجاج والبيض وذهب جزء منهم إلى اللحم، فلن يكون ذلك انتقالًا طبيعيًا، بل ضغطًا على سلعة مكلفة أصلًا، ومع أي زيادة في الطلب، قد ترتفع الأسعار أكثر، خصوصًا أن اللحوم الحمراء مرتبطة بتكاليف تربية مرتفعة، وعلف، واستيراد، وسعر صرف، وسلاسل نقل وتبريد.
أما السمك، ورغم أن البلطي قد يكون قريبًا من الدجاج في بعض الأوقات، فهو سوق شديد التقلب، ويتأثر بالمواسم، وتكاليف الأعلاف، والنقل، والطاقة، والطلب المحلي، وإذا أصبح بديلًا جماعيًا عن الدجاج والبيض، فقد يفقد ميزة السعر المنخفض بسرعة.
إقرأ أيضا: من الكيك إلى البسكويت.. نظام الطيبات يهدد صناعات غذائية
ماذا يحدث إذا تراجع استهلاك الدجاج بنسبة 10%؟
تخيل فقط أن الطلب على الدجاج والبيض في بلد مثل مصر أو المغرب تراجع بنسبة 10% بسبب خطاب المقاطعة.
هذه الكمية لن تختفي من حاجة الناس إلى البروتين بل سيذهب جزء منها إلى اللحم الأحمر، وجزء إلى السمك، وجزء إلى البقوليات، وجزء سيتحول إلى نقص في الاستهلاك الغذائي لدى الأسر الأضعف.
في المغرب، حيث استهلاك الدواجن مرتفع تاريخيًا، أي تراجع ملموس في استهلاكها يعني دفع مئات آلاف الأسر نحو سوق لحوم حمراء تعاني أصلًا من الجفاف وضعف القطيع وارتفاع الأسعار.
وفي مصر، حيث الفارق بين سعر كيلو الدجاج وكيلو اللحم كبير جدًا، سيؤدي أي تحول جماعي إلى صدمة أكبر في ميزانية الأسر.
أما إذا وصل التراجع إلى 20%، فسيصبح الضغط أشبه بإعادة توزيع قسري للطلب الغذائي، عندها لن نتحدث عن ارتفاع بسيط في اللحوم، بل عن موجة محتملة تطال كل مصادر البروتين البديلة.
ارتفاع أسعار السمك بسبب نظام الطيبات
في مصر، قد يبدو السمك، خصوصًا البلطي، بديلًا قريبًا من الدجاج في السعر، لكن هذا الوضع قد لا يصمد إذا ارتفع الطلب عليه بقوة، كما أن السمك لا يتوفر بكميت كبيرة خصوصا في المدن والمناطق الداخلية البعيدة عن مراكز الصيد.
ومن المعلوم أنه حين ترتفع أسعار الدجاج أو يتراجع استهلاكه بسبب حملة شعبية، يتجه جزء من المستهلكين إلى السمك، ما يرفع الضغط عليه.
في المغرب، السمك نفسه ليس دائمًا رخيصًا أو متاحًا بنفس السعر في كل المدن، وهناك فرق كبير بين المدن الساحلية التي يكون فيها رخيصا والمدن الداخلية التي يكون فيها مكلفا، وبين السردين الشعبي وأنواع أخرى أغلى بكثير، وقد ارتفعت الأسعار منذ أشهر خصوصا في المدن الداخلية لأسباب متنوعة، لهذا فإن ارتفاع الطلب عليه سيرفع الأسعار أكثر.
إقرأ أيضا: نظام الطيبات قد يمحو 360 مليار دولار من اقتصاد المنطقة
