
يهدد نظام الطيبات الذي تحول أتباعه اليوم إلى بضعة ملايين على منصات التواصل صناعات غذائية وزراعية واسعة في الشرق الأوسط إذا ما أصبح هذا التحول رسميا وليس مجرد موجة عابرة.
هذه الصناعات ليست مجرد مصانع تنتج الكيك والبسكويت والمعكرونة والزبادي والمشروبات والزيوت. إنها شبكة ضخمة تبدأ من الفلاح والمربي ومورد القمح والذرة والصويا والحليب والبيض والزيوت، وتمر بالمطاحن والمخابز ومصانع الألبان والحلويات والتعبئة والتغليف والنقل والتبريد والتوزيع، وتنتهي عند المتجر والمطعم والمستهلك.
لذلك، حين يشيطن نظام الطيبات البيض والحليب والقمح والزيوت والبقوليات والخضروات، فهو لا يهاجم “أطعمة منفصلة”، بل يفتح معركة عبثية مع جزء واسع من الاقتصاد الغذائي في المنطقة.
سوق غذائي ضخم لا يحتمل حماقات المقاطعة
تقدّر Fortune Business Insights أن سوق خدمات الطعام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بلغ 101.36 مليار دولار في 2024، وهو رقم يعكس حجم المطاعم والمقاهي وسلاسل الوجبات والضيافة والطلب اليومي على الطعام خارج المنزل.
وفي جانب السلع الغذائية المعبأة، تشير تقديرات Ken Research إلى أن سوق الأغذية المعبأة في الشرق الأوسط تقدر بنحو 182 مليار دولار، مدفوعة بالتحضر، وتوسع تجارة التجزئة الحديثة، والتجارة الإلكترونية، وتغير أنماط الاستهلاك.
كما تقدر Grand View Research سوق السلع الاستهلاكية المعبأة في الشرق الأوسط بنحو 175.72 مليار دولار في 2024، مع توقعات بالوصول إلى 258.68 مليار دولار بحلول 2033.
هذه الأرقام تعني أن أي موجة خوف واسعة ضد مكونات أساسية مثل البيض والحليب والقمح والزيوت لا تضرب رفًا صغيرًا في متجر، بل تهدد منظومة بمئات المليارات من الدولارات، تتداخل فيها الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات والمطاعم والتوصيل والسياحة.
المغرب: 20.5 مليار دولار و20% من الوظائف الصناعية
في المغرب، تقدم الصناعات الغذائية مثالًا واضحًا على حساسية هذا القطاع، فقد ذكرت وكالة Ecofin أن إيرادات قطاع الصناعات الغذائية المغربي بلغت حوالي 20.5 مليار دولار في 2024، رغم ظروف الجفاف الصعبة، وأن القطاع وفر 20.1% من الوظائف الصناعية، ما يجعله أحد أعمدة الصناعة الوطنية.
وتشير منصة Morocco Now إلى أن قطاع الصناعات الغذائية في المغرب يحقق أكثر من 17 مليار دولار من الإيرادات السنوية، ويوفر أكثر من 161 ألف وظيفة.
كما تؤكد وزارة الصناعة والتجارة المغربية أن الصناعات الغذائية تمثل نحو 21% من التشغيل الصناعي و24% من القيمة المضافة الصناعية و23% من رقم معاملات الصناعة.
نحن أمام قطاع يشغل مصانع الألبان والزيوت والمعلبات والبسكويت والمعكرونة والمشروبات والحلويات، ويرتبط بالفلاحة والتصدير والتوزيع والأسواق الشعبية. فإذا جاء خطاب غذائي متطرف يشيطن الحليب والبيض والقمح والزيوت، فإنه لا يهدد عادة أكل فقط، بل يمس أحد أكبر محركات التشغيل الصناعي في المغرب.
مصر: صادرات غذائية قياسية وزراعة تشغل خمس العمالة
في مصر، تبدو الصورة أكبر بحكم حجم السكان والسوق، فقد أعلن المجلس التصديري للصناعات الغذائية أن صادرات القطاع تجاوزت 5.8 مليار دولار خلال أول عشرة أشهر من 2025، مقارنة بنحو 5.2 مليار دولار في الفترة نفسها من 2024، وهو أعلى أداء تصديري للقطاع وفق ما نقلته الأهرام الإنجليزية.
ولا يمكن فصل الصناعات الغذائية المصرية عن الزراعة، فبحسب تقرير حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تسهم الزراعة بنحو 13.7% من الناتج المحلي الإجمالي في مصر، وتوفر حوالي 19% من العمالة.
وهذا يعني أن أي اضطراب في سلاسل الغذاء لا يبقى داخل المصنع، بل يعود إلى الفلاح والعامل والموزع والسائق والمطعم والمستهلك.
السعودية والخليج: الأمن الغذائي مشروع استراتيجي
في السعودية، لا تنظر الدولة إلى الغذاء بوصفه قطاعًا تجاريًا فقط، بل بوصفه جزءًا من تنويع الاقتصاد والأمن الغذائي ضمن رؤية 2030.
ويشير تقرير لوزارة الزراعة الأمريكية إلى أن صناعة الغذاء في السعودية تضم حوالي 1300 شركة مسجلة، وأن نحو 80% منها شركات كبيرة تضم أكثر من 100 موظف، وأن مبيعات تصنيع الغذاء تمثل أكثر من 75% من إجمالي الإيرادات، مع تقدير إجمالي الاستثمار في القطاع بنحو 60 مليار دولار.
كما تشير بيانات كندية رسمية إلى أن سوق الأغذية المعبأة في السعودية بلغ 24.6 مليار دولار في 2024، مرتفعًا من 18.4 مليار دولار في 2019، مع توقعات بالوصول إلى 35.9 مليار دولار بحلول 2029.
وفي الإمارات، تشير تقديرات قطاعية إلى أن تصنيع الأغذية والمشروبات وحده حقق إيرادات سنوية قدرها 7.63 مليار دولار، مع أكثر من 2000 شركة عاملة في المجال.
الجزائر: الزراعة والغذاء في قلب الاستقرار
في الجزائر، يمثل الغذاء ملفًا حساسًا بحكم ارتباطه بالخبز والسميد والكسكس والمعكرونة والزيوت والحليب، وتشير تقديرات Mordor Intelligence إلى أن سوق الزراعة في الجزائر قُدر بنحو 33.5 مليار دولار في 2025، مع توقع أن يصل إلى 42.02 مليار دولار بحلول 2031.
ورغم أن هذا الرقم يتعلق بالزراعة لا الصناعات الغذائية وحدها، فإنه يوضح حجم القاعدة التي تقوم عليها الصناعات الغذائية الجزائرية، من الحبوب إلى الألبان والزيوت والتحويل الغذائي.
وفي بلد تكون فيه مواد مثل الخبز والحليب والزيت والسميد جزءًا من السلة اليومية والسياسة الاجتماعية، فإن أي موجة تخويف غذائي لا يمكن فصلها عن الاستقرار المعيشي.
لماذا يضرب نظام الطيبات الصناعات الغذائية لا المستهلك وحده؟
خطورة نظام الطيبات أنه لا يكتفي بتشجيع الفرد على تقليل طعام معين، بل يميل إلى شيطنة مجموعات غذائية كاملة. وحين تتحول المجموعات الغذائية إلى “خبائث” في خيال الجمهور، تبدأ المشكلة الصناعية.
البيض يدخل في الكيك والبسكويت والمعجنات والحلويات والمايونيز وبعض الصلصات، بينما الحليب يدخل في الزبادي والأجبان والقشدة والمثلجات والشوكولاتة والمخبوزات.
القمح يدخل في الخبز والكسكس والمعكرونة والبسكويت والسميد والدقيق والحلويات، فيما الزيوت تدخل في البسكويت والمقرمشات والمخبوزات والصلصات والأطعمة الجاهزة.
البقوليات تدخل في المطاعم الشعبية والأغذية الجافة والمعلبات، بينما الخضروات تدخل في السلطات والصلصات والمعلبات والمطاعم وسلاسل التوريد الطازج.
