
في سلسلة خاطفة من التقدمات خلال الأسبوع الماضي، سيطر الحوثيون على جزيرتي حنيش وزقر، وميناء المخا، ثم جزيرة بريم، التي تقسم فعلياً مضيق باب المندب، الذي يعني اسمه «بوابة الدموع» أو «الحزن»، إلى قسمين. وبذلك باتوا يسيطرون على كامل الجانب اليمني من البحر الأحمر.
ومن شأن الحصار الجزئي الذي يفرضونه على البحر الأحمر بصورة متقطعة منذ عام 2023 أن يصبح أكثر فاعلية. ولم يكتف الحوثيون بذلك، إذ شنوا خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية هجمات صاروخية على قاعدة الملك خالد الجوية السعودية وأهداف عسكرية أخرى، وربما شاركوا أيضاً في هجوم بالطائرات المسيرة والصواريخ على خط الأنابيب الرئيسي الممتد من الشرق إلى الغرب، والذي ينقل النفط من الحقول السعودية متجاوزاً مضيق هرمز شديد التوتر.
ظهر أثر ذلك فوراً في ارتفاع أسعار النفط، لكن استمرار هذه التطورات قد يؤدي إلى مزيد من الاضطراب في الاقتصاد العالمي، الذي يعتمد على المرور عبر البحر الأحمر في نحو 10% من التجارة العالمية، وما بين 6 و7% من شحنات النفط. فما الذي أشعل هذا التصعيد؟ وما الذي يمكن فعله حياله؟
شارك الحوثيون، الذين دربتهم إيران وأشرفت عليهم وزودتهم بالإمدادات ضمن استراتيجيتها القائمة على استخدام القوى الوكيلة في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، في الصراع الذي اندلع بعد أكتوبر 2023 عبر شن هجمات صاروخية على إسرائيل وعلى حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومحيطه، لكن الصراع بينهم وبين السعودية ومجلس القيادة الرئاسي اليمني المعترف به دولياً يعود إلى فترة أقدم بكثير.
ففي الأصل، كان اليمن الملكي، أي المنطقة التي يسيطر عليها الحوثيون اليوم، منفصلاً عن بقية البلاد. وكانت له بنية حكم فضفاضة خاصة به، حافظ البريطانيون على تماسكها حتى عام 1968، ثم مرت المنطقة بعدة تحولات، من بينها مرحلة قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ذات التوجه الماركسي المتشدد، التي استضافت جماعات إرهابية دولية وحاولت زعزعة استقرار سلطنة عمان المجاورة.
أدى سقوط الشيوعية إلى انهيار جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، إلا أن محاولات توحيد شطري اليمن لم تحقق نجاحاً يذكر. ومنذ عام 2014، تعيش البلاد حرباً أهلية مستمرة تتخللها فترات متقطعة من وقف إطلاق النار. وسعى الحوثيون باستمرار إلى إشراك أطراف خارجية إما لكسب الدعم أو لجذب اهتمامها، فيما ظلت السعودية منخرطة في الصراع طوال هذه الفترة، داعمة الحكومة الشرعية التي أُخرجت من العاصمة صنعاء، التي باتت الآن تحت سيطرة الحوثيين بصورة راسخة.
وفي المقابل، وجدت إيران في الحوثيين، الذين ينتمون إلى المذهب الشيعي، حليفاً يمكن الاستفادة منه في مواجهة منافسها الرئيسي على النفوذ في العالم الإسلامي، وكذلك ضمن صراعها مع ما تصفه بـ«الشيطان الأكبر» و«الشيطان الأصغر».
لكن السبب المباشر للارتفاع الأخير في وتيرة العنف والتصعيد الكبير من جانب الحوثيين يبدو أنه يعود إلى تفعيل مبادرة سعودية في 14 أغسطس لتأسيس «تحالف متعدد الجنسيات للدفاع البحري»، على أن يكون مقره في جدة.
وقد انضمت إلى التحالف حتى الآن نحو 15 دولة، بينما تنتظر 13 دولة أخرى الانضمام. وليس واضحاً تماماً كيف يرتبط هذا التحالف بما أطلق عليه «الناتو الإسلامي» الذي أُعلن عنه باحتفاء كبير الشهر الماضي، لكن هدف هذا التحالف واضح للغاية. وبحسب صحيفة «عرب نيوز»، فإنه سيركز على «الأمن البحري في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، وهي ممرات مائية رئيسية تربط آسيا والشرق الأوسط وأوروبا». وهذه بالتحديد المنطقة التي يهددها الحوثيون، ومن هنا جاء تحركهم الاستباقي.
ولا يزال من غير الواضح مدى سرعة دخول التحالف الجديد إلى المواجهة، لكن وجوده ربما يفسر جزئياً الرد الأمريكي المحدود نسبياً. وتفيد تقارير واسعة الانتشار بأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصل بالرئيس دونالد ترامب مرتين يوم الخميس الماضي طالباً مساعدة أمريكية، إلا أن طلبه قوبل بالرفض، مع عرض تقديم دعم استخباراتي ومساعدة في تحديد الأهداف فقط، لكن القدرات العسكرية الأمريكية نفسها باتت موزعة على نطاق واسع.
وتستطيع الولايات المتحدة مرافقة بعض السفن عبر مضيق هرمز، ولكن خلال الليل فقط وضمن نافذة زمنية ضيقة ومحددة مسبقاً. وقد ترغب واشنطن في القيام بالمزيد في البحر الأحمر انطلاقاً من قاعدتها في جيبوتي ومواقع أخرى، لكنها تجد صعوبة كبيرة في ذلك حالياً.
قد يكون هذا أحد المجالات التي تستطيع بريطانيا أن تلعب فيها دوراً أكبر. فقد أظهرت لندن استعدادها لمواجهة الحوثيين بسبب هجماتهم على السفن، كما أنها تدعم حكومة مجلس القيادة الرئاسي اليمني.
وأرسلت بريطانيا فرق تدريب لتحسين قدرات قواته، وهي مساعدة يحتاج إليها المجلس بشدة. وأشار أحد أكثر التقارير إحباطاً إلى أن هجوماً مضاداً للقوات الحكومية فشل بعدما تبين أن الجنود البالغ عددهم 1500 جندي الذين صدرت لهم أوامر بالمشاركة في الهجوم كانوا في الحقيقة «جنوداً أشباحاً». فقد كانوا موجودين على الورق فقط، فيما كان قادتهم يستولون على رواتبهم ومخصصاتهم.
يمثل الصراع في اليمن نقطة التقاء ثلاث حروب منفصلة: حرب أهلية داخلية، والصراع الإيراني الإسرائيلي الذي تشارك فيه الولايات المتحدة، والصراع الأوسع على الهيمنة في الشرق الأوسط. ولن يكون تفكيك هذه الشبكة المعقدة من الصراعات أمراً سهلاً، لكنه قد لا يكون مستحيلاً. فالحوثيون يريدون، في المقام الأول، الاعتراف بهويتهم المنفصلة. وهم يتمتعون بهذا الاعتراف فعلياً على أرض الواقع، لكن السؤال هو ما إذا كانت حكومة مجلس القيادة الرئاسي تستطيع أن تدرك، كما فعلت الحكومة السودانية في نهاية المطاف مع جنوب السودان، أن تكلفة ونتائج فرض وحدة بالقوة، أصبحت احتمالات تحقيقها تتضاءل باستمرار، لا تستحق كل ذلك. وإذا فشلت السياسة، فقد يتمكن التحالف الذي تقوده السعودية، مع قدر من الدعم الأمريكي والبريطاني، على الأقل من احتواء الحوثيين ودفعهم إلى التراجع. سنرى.
بقلم سايمون ديغينز على مجلة The Spectator معلق متخصص في قضايا الأمن والدفاع والشؤون العسكرية، وعقيد سابق في الجيش البريطاني، ومحرر مساهم في بودكاست Defence on the Brink كما شغل منصب الملحق العسكري في كابول بين عامي 2008 و2010.
