
دخل التصعيد في البحر الأحمر مرحلة أكثر خطورة، بعدما بدأ الحوثيون في اليمن ترجمة إعلانهم فرض «حصار بحري» على السعودية إلى تحذيرات مباشرة لشركات الشحن، ما دفع سفنًا تجارية وناقلات نفط إلى تغيير مساراتها تفاديًا لخطر الاستهداف.
وأظهرت بيانات ملاحية وتقارير متخصصة، الثلاثاء، أن سفينة شحن كبيرة مملوكة لجهة صينية كانت في طريقها إلى السعودية عادت أدراجها قرب جيبوتي، بعد تلقي مشغلها رسالة تحذير من مركز تنسيق العمليات الإنسانية التابع للحوثيين تفيد بإلغاء تصريح عبورها، وأن استمرارها نحو الموانئ السعودية قد يعرضها للاستهداف ضمن نطاق العمليات العسكرية للجماعة. كما رُصدت سفن أخرى وهي تعيد النظر في رحلاتها عبر البحر الأحمر.
ويأتي التحرك الحوثي في توقيت شديد الحساسية لأسواق الطاقة، إذ تعاني حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أصلًا من اضطرابات حادة، ما جعل موانئ السعودية على البحر الأحمر، وفي مقدمتها ينبع، منفذًا بديلًا بالغ الأهمية لصادرات النفط.
ماذا أعلن الحوثيون؟
أعلن الحوثيون، الاثنين 20 يوليو، فرض ما وصفوه بـ«الحظر البحري» على السعودية بصورة فورية، وقالوا إن الإجراء يأتي ردًا على ما يعتبرونه حصارًا سعوديًا على اليمن، وفق معادلة «العين بالعين».
وبموجب الإعلان، هددت الجماعة باستهداف السفن التي تتعامل مع الموانئ السعودية أو تخالف الحظر الذي أعلنته. ولا يعني ذلك أن الحوثيين أغلقوا البحر الأحمر أو باب المندب ماديًا، وإنما أنهم يحاولون فرض الحظر من خلال التهديد باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة وغيرها من القدرات التي سبق أن استخدموها ضد الملاحة التجارية.
وهذا الفارق مهم؛ فالحصار المعلن لا يرقى حتى الآن إلى إغلاق كامل للممر البحري، لكنه قد يحقق أثرًا اقتصاديًا مشابهًا إذا فضلت شركات الشحن وشركات التأمين تجنب المنطقة بدل المخاطرة بسفن تقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات.
سفينة صينية تختبر جدية التهديد
برزت أولى المؤشرات العملية للحصار مع السفينة Liu Jiang Kou التابعة لشركة «كوسكو»، والتي كانت متجهة إلى السعودية قبل أن تغير مسارها قرب جيبوتي.
وبحسب «لويدز ليست»، أُبلغ مشغل السفينة بأن تصريح العبور الخاص بها ألغي، وأن استمرار الرحلة قد يجعل السفينة عرضة للاستهداف.
وجاء التحذير في رسالة مباشرة من مركز تابع للحوثيين، ما يشير إلى أن الجماعة لا تكتفي بإطلاق بيانات عامة، بل تتواصل مع شركات الملاحة بصورة فردية.
وبالتوازي، رُصدت سفن أخرى تغير اتجاهاتها، في إشارة إلى أن مجرد التهديد بدأ يؤثر في القرارات التجارية قبل وقوع هجمات واسعة النطاق.
ناقلات النفط تدخل دائرة الخطر
أفادت «رويترز» بأن ثلاث ناقلات تحمل خامًا سعوديًا إلى الصين والهند غيرت مسارها في البحر الأحمر بعد التحذيرات الحوثية.
كما أظهرت بيانات «لويدز ليست» أن ناقلات عملاقة كانت متجهة نحو المنطقة توقفت أو استدارت، بينما غيرت سفن محملة من ينبع مساراتها كذلك.
وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية لأن ميناء ينبع تحول، منذ تصاعد أزمة مضيق هرمز، إلى أحد أبرز منافذ تصدير الخام السعودي بعيدًا عن الخليج.
وتنقل السعودية النفط من حقولها الشرقية عبر خط أنابيب «شرق – غرب» إلى ساحل البحر الأحمر، ما يسمح لها بتجاوز هرمز. وتشير بيانات «لويدز ليست إنتليجنس» إلى أن صادرات ينبع ارتفعت منذ بداية أزمة المضيق إلى متوسط يقارب 3.75 مليون برميل يوميًا.
وبالتالي، فإن نجاح الحوثيين في جعل البحر الأحمر غير آمن قد يهدد الطريق البديل الذي اعتمدت عليه الرياض لتقليص أثر اضطرابات هرمز.
خطر مزدوج على صادرات الخليج
تكمن خطورة التطورات الحالية في أنها تربط بين نقطتي اختناق بحريتين على جانبي شبه الجزيرة العربية.
في الشرق، تواجه السفن مخاطر متزايدة في مضيق هرمز نتيجة الحرب والتوتر مع إيران. وفي الغرب، يهدد الحوثيون السفن المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر وباب المندب.
وبحسب تقديرات نقلتها «رويترز»، فإن إغلاق باب المندب أو تعطيل صادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر على نطاق واسع قد يحرم الأسواق من ما يصل إلى نحو 7 في المائة من الإمدادات العالمية في سيناريو شديد السوء، فوق الاضطرابات القائمة أصلًا في هرمز.
ولا يعني هذا أن السوق فقدت بالفعل هذه الكمية، لكن الخطر يكمن في تقلص البدائل المتاحة أمام المنتجين الخليجيين إذا تزامن اضطراب هرمز مع اضطراب البحر الأحمر.
إقرأ أيضا: أفضل 8 مسيرات أوكرانية لحماية دول الخليج من إيران
هل يستطيع الحوثيون فرض حصار حقيقي؟
من الناحية العسكرية، لا يملك الحوثيون أسطولًا بحريًا يسمح لهم بالسيطرة التقليدية على باب المندب أو تفتيش السفن ومنعها من العبور.
لكن تجربتهم منذ أواخر 2023 أثبتت أن امتلاك القدرة على مهاجمة عدد محدود من السفن قد يكون كافيًا لإحداث تأثير اقتصادي واسع.
فشركات الملاحة لا تحتاج إلى رؤية المضيق مغلقًا بالكامل حتى تعيد حساباتها، إصابة ناقلة واحدة، أو ارتفاع احتمالات الهجوم، قد يدفع شركات التأمين إلى رفع الأقساط ويجعل المرور عبر المنطقة أقل جاذبية من الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.
ولهذا فإن نجاح الحصار لا يقاس بعدد السفن التي يستطيع الحوثيون اعتراضها فعليًا، بل بقدرتهم على جعل الشركات تتصرف كما لو كان الممر غير آمن.
إقرأ أيضا: مايا خليفة سفيرة أمريكا في السعودية.. ما القصة؟
السعودية ترفض التهديد
قوبل الإعلان الحوثي بإدانة سعودية ودولية، مع اعتبار تهديد الملاحة التجارية تصعيدًا يهدد حرية الملاحة في البحر الأحمر.
كما أدانت بريطانيا الخطوة، محذرة من أنها قد تزيد عدم الاستقرار الإقليمي وتعرقل جهود التوصل إلى تسوية في اليمن.
وتأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه العلاقة بين السعودية والحوثيين تعيش لسنوات حالة غير مكتملة من «لا حرب ولا سلام»، بعد تراجع العمليات العسكرية المباشرة مقارنة بذروة الحرب اليمنية.
غير أن استهداف الملاحة السعودية أو صادرات النفط قد يعيد فتح باب المواجهة العسكرية بصورة أوسع، خصوصًا إذا تعرضت ناقلات أو منشآت على الساحل الغربي لهجمات مباشرة.
إقرأ أيضا: أكذوبة تمويل 300 مليار دولار من دول الخليج لإعمار إيران
ماذا يعني ذلك للاقتصاد العالمي؟
حتى الآن، يبقى التأثير الفعلي محدودًا مقارنة بسيناريو الإغلاق الكامل، لكن الأسواق تراقب ثلاثة مؤشرات رئيسية: عدد السفن التي تغير مساراتها، تطور أسعار التأمين البحري، وما إذا كان الحوثيون سينتقلون من التهديد إلى التنفيذ.
وإذا اتسعت قائمة السفن التي تتجنب الموانئ السعودية، فقد ترتفع تكاليف الشحن ويزداد الاعتماد على مسارات أطول، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار النفط والسلع.
أما السيناريو الأخطر فيتمثل في نجاح الحوثيين في تعطيل صادرات ينبع بصورة مستدامة بالتزامن مع استمرار الاضطراب في هرمز، عندها ستواجه السعودية ومنتجو الخليج خيارات أقل بكثير لنقل النفط إلى الأسواق العالمية.
حتى الآن، لا يمكن القول إن الحوثيين أغلقوا البحر الأحمر أو فرضوا حصارًا بحريًا كاملًا على السعودية، لكن ما حدث خلال الساعات الأولى من الإعلان يكشف أن التهديد وحده بدأ يغير سلوك شركات الملاحة.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، قد تكون خطورة الحصار في أثره النفسي والتجاري بقدر ما هي في القدرة العسكرية على تنفيذه.
إقرأ أيضا: جنرال سعودي سابق يتوعد إيران من القناة 12 الإسرائيلية
