
لم يعد خطر نظام الطيبات محصورًا في الدجاج والبيض، ولا في الخضروات والبقوليات فقط، إذا أخذنا هذا الخطاب إلى نهايته المنطقية، فإننا أمام تهديد أوسع يطال قلب الصناعات الغذائية في دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
ويهدد النظام كلا من المخابز، الحلويات، البسكويت، المعكرونة، الكسكس، الأجبان، الزبادي، المثلجات، المعجنات، الشوكولاتة، وحتى آلاف المنتجات اليومية التي لا ينتبه المستهلك إلى أن مكوناتها الأساسية والتي تعد ممنوعة في النظام.
البيض قلب صناعة الحلويات والمطاعم
من السهل أن يقول أحدهم: “قاطعوا البيض”، لكن ماذا يعني ذلك فعليًا؟ البيض مادة رابطة ورافعة للملمس والقوام والطعم في آلاف الوصفات.
الكيك يحتاج البيض وكذلك كثير من أنواع البسكويت تحتاج البيض ما يجعله مكونا أساسيا للحلويات المنزلية والتجارية التي تعتمد عليه.
كما تستخدم المطاعم كلا من البيض والدقيق في شتى المأكولات بما فيها المايونيز الذي يبيحه الدكتور ضياء العوضي في تناقض عجيب مع تمنعه من نظام.
إذا نجح خطاب الخوف في ضرب ثقة الناس بالبيض، فلن يتأثر مربو الدواجن وحدهم، بل سيتأثر صاحب محل الحلويات، والمخبز الصغير، ومصنع البسكويت، وعامل التغليف، وسائق التوزيع، وبائع المواد الأولية.
في مصر تحديدًا، حيث يعتمد ملايين الناس على المخابز والحلويات الشعبية والمطاعم الصغيرة، يصبح البيض جزءًا من اقتصاد يومي واسع.
وفي المغرب والجزائر، حيث تنتشر الحلويات التقليدية والمخابز ومحلات المعجنات، لا يمكن فصل البيض عن عيش آلاف الأسر التي تعمل في هذا القطاع.
الحليب ومنتجات الألبان.. من الزبادي إلى الشوكولاتة
في الدول العربية، لا يدخل الحليب فقط في كوب الصباح، بل في الزبادي، الأجبان، القشدة، اللبن، الحلويات، المثلجات، الكريمة، الشوكولاتة، والمخبوزات، لذلك فإن أي خطاب يشيطن الحليب أو منتجات الألبان يهدد قطاعًا أكبر بكثير من مربي الأبقار أو شركات الألبان الكبرى.
في المغرب، تعد الصناعات الغذائية قطاعًا مركزيًا في الاقتصاد الصناعي، وزارة الصناعة والتجارة المغربية تؤكد أن قطاع الصناعات الغذائية يساهم في التشغيل والقيمة المضافة ورقم المعاملات الصناعي، إذ يمثل نحو 21% من التشغيل الصناعي و24% من القيمة المضافة الصناعية و23% من رقم معاملات الصناعة.
في مصر، تشير وثائق استثمارية حكومية إلى أن الصناعات الغذائية حققت صادرات تتجاوز 5.8 مليار دولار خلال أول عشرة أشهر من 2025، مقابل نحو 5.2 مليار دولار في الفترة نفسها من 2024، بنمو بلغ 11%، كما تذكر الوثائق أن قطاع الصناعات الغذائية يساهم بشكل مهم في الناتج المحلي ويوفر فرص عمل، مع تقديرات لمساهمته بين 24% و24.5% من الناتج المحلي في 2025 ضمن السياق المنشور.
القمح.. من الخبز إلى الكسكس والمعكرونة والبسكويت
يجرم نظام الطيبات القمح في العالم العربي وهو عصب الخبز المادة الأساسية في موائد دول المنطقة، ويدخل القمح أيضًا في الكسكس، المعكرونة، السميد، البسكويت، الحلويات، والمخبوزات الصناعية والتقليدية.
إذا تحوّل خطاب نظام الطيبات إلى شيطنة القمح أو منتجاته، فإننا لا نتحدث عن تغيير في وجبة، بل عن ضرب قطاع المخابز والمطاحن والمعكرونة والحلويات، هذا قطاع واسع يرتبط بالمطاحن، النقل، التخزين، الأفران، المخابز، محلات الحلويات، المطاعم، والمستهلك اليومي.
في مصر، يوضح تقرير وزارة الزراعة الأمريكية عن سوق التجزئة الغذائية أن مصر من أكبر مستوردي الحبوب في العالم، وأن صناعات الأعلاف والغذاء فيها تدفع الطلب على القمح والذرة، وهذا يعني أن القمح ليس ملفًا غذائيًا فقط، بل ملف تجارة خارجية وأمن غذائي وسعر صرف واستقرار اجتماعي.
أما في المغرب، فتشير وزارة التجارة الأمريكية إلى أن الزراعة، مع الصيد والغابات، تشغل حوالي 45% من قوة العمل وتساهم بنحو 15% من الناتج المحلي، وهو ما يجعل أي اضطراب في سلاسل الحبوب والغذاء مؤثرًا على الاقتصاد كله.
وفي الجزائر، حيث الخبز والمعكرونة والكسكس عناصر يومية في الغذاء، فإن أي موجة شعبية ضد منتجات القمح يمكن أن تضرب الاستهلاك وتربك الصناعات المحلية والمخابز الشعبية.
الزيوت.. المادة الخفية في أغلب التصنيع الغذائي
الزيوت هي المادة التي لا ينتبه إليها كثير من الناس، لكنها موجودة في أغلب المنتجات المصنعة بما فيها البسكويت، الكيك، رقائق البطاطس، الشوكولاتة، المعجنات، المايونيز، الصلصات، الوجبات الجاهزة، والمقليات.
ويتبنى نظام الطيبات للدكتور ضياء العوضي موقفاً متشدداً تجاه الزيوت، حيث يُحرّم تماماً الزيوت النباتية المهدرجة (مثل زيت الذرة وعباد الشمس) ويعتبرها أشد خطراً من التدخين لترسبها في الشرايين.
ويهدد التجريم شركات صناعية كبرى في الزيوت والأغذية والتي توظف الآلاف من الناس وتعمل على الإنتاج المحلي تلك الزيوت بدلا من استيرادها جاهزة من الخارج.
وتعتمد ملايين الأسر والمخابز والمطاعم والصناعات الغذائية على الزيوت، لذا فإن أي تراجع مفاجئ في الثقة أو الاستهلاك يمكن أن يخلق اضطرابًا في سلاسل الإنتاج، أو يدفع المنتجين إلى تغيير الوصفات، أو يرفع التكلفة، أو يضغط على قطاعات صغيرة لا تستطيع إعادة صياغة منتجاتها بسرعة.
