
أظهر أحدث إصدار من مؤشر بيج ماك الذي تصدره مجلة «الإيكونوميست» البريطانية أن الجنيه المصري يأتي ضمن العملات المقومة بأقل من قيمتها أمام الدولار الأمريكي، إذ تشير حسابات المؤشر إلى سعر صرف نظري يبلغ نحو 23.31 جنيهًا للدولار، مقارنة بسعر فعلي يبلغ نحو 50.53 جنيهًا.
وبهذه المقارنة، يصل انخفاض تقييم الجنيه المصري إلى نحو 53.9% أمام العملة الأمريكية وفق منهجية المؤشر، وهي فجوة ضخمة قد تبدو للوهلة الأولى وكأنها تعني أن الدولار يجب أن يتراجع من أكثر من 50 جنيهًا إلى نحو 23 جنيهًا.
لكن قراءة مؤشر بيج ماك بهذه الطريقة ستكون مضللة، لأن الرقم لا يمثل توقعًا لسعر الدولار ولا تقديرًا رسميًا لما ينبغي أن يكون عليه سعر الصرف في البنوك، وإنما يعكس اختلاف القوة الشرائية المحلية بين مصر والولايات المتحدة باستخدام منتج واحد متشابه عالميًا بوصفه أداة مبسطة للمقارنة.
ماذا يعني أن القيمة «العادلة» للدولار 23.31 جنيهًا؟
يقوم مؤشر بيج ماك على فكرة بسيطة ابتكرتها «الإيكونوميست» في ثمانينيات القرن الماضي استنادًا إلى مفهوم اقتصادي يعرف بـ«تعادل القوة الشرائية».
وبدل مقارنة سلال معقدة تضم مئات السلع والخدمات، يستخدم المؤشر شطيرة «بيج ماك» التي تبيعها سلسلة ماكدونالدز في عشرات الدول، ثم يقارن سعرها المحلي بسعرها في الولايات المتحدة.
فإذا كان سعر الوجبة في مصر، بعد تحويله إلى الدولار بسعر الصرف الرسمي، أرخص بكثير من سعر الوجبة نفسها في الولايات المتحدة، يعتبر المؤشر أن الجنيه مقوم بأقل من قيمته أمام الدولار.
وبحسب الأرقام الأخيرة، يؤدي فرق أسعار بيج ماك بين البلدين إلى سعر صرف نظري يبلغ 23.31 جنيهًا لكل دولار، في الوقت الذي يبلغ فيه سعر الصرف الفعلي نحو 50.53 جنيهًا، ومن هنا تأتي نسبة الانخفاض البالغة 53.9%.
بمعنى آخر، الدولار يستطيع عند تحويله إلى جنيهات شراء كمية من السلع والخدمات المحلية أكبر كثيرًا مما يشتريه المبلغ نفسه داخل الولايات المتحدة، على الأقل وفق هذا الاختبار المبسط.
هل يعني ذلك أن الدولار سيعود إلى 23 جنيهًا؟
المؤشر لا يقول إن البنك المركزي المصري يجب أن يحدد الدولار عند 23 جنيهًا، ولا يتوقع أن العملة المصرية ستقفز قريبًا إلى هذا المستوى، كما أنه لا يأخذ وحده في الاعتبار عوامل حاسمة تحدد سعر الصرف مثل الاحتياطي النقدي والتضخم والتدفقات الاستثمارية والديون الخارجية وتحويلات العاملين والسياحة وقناة السويس والطلب المحلي على الدولار.
وما يقوله المؤشر بصورة أكثر دقة هو أن الأسعار داخل الاقتصاد المصري منخفضة جدًا عند قياسها بالدولار مقارنة بالأسعار الأمريكية.
وهذه نتيجة مختلفة تمامًا عن القول إن سعر الصرف في السوق «خاطئ» بنسبة 53.9%.
لماذا يظهر الجنيه المصري رخيصًا إلى هذه الدرجة؟
ترتبط النتيجة بفارق الأسعار والأجور بين الاقتصادين المصري والأمريكي. فمطاعم ماكدونالدز في مصر لا تستطيع ببساطة بيع منتجاتها بالأسعار الأمريكية نفسها، لأن مستويات الرواتب والقوة الشرائية المحلية أقل بكثير. كما تختلف تكاليف العمالة والإيجارات والخدمات وبعض المدخلات المحلية من بلد إلى آخر.
وعندما تترجم هذه الأسعار المنخفضة إلى الدولار باستخدام سعر صرف يتجاوز 50 جنيهًا، تظهر السلع المصرية شديدة الرخص من وجهة نظر حامل العملة الأمريكية.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل السياح أو أصحاب الدخول بالدولار واليورو يشعرون بأن الكثير من الخدمات في مصر منخفضة التكلفة، في حين قد يجدها المواطن المصري نفسه باهظة مقارنة بدخله بالجنيه.
ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية: الجنيه قد يبدو رخيصًا للغاية وفق المقارنة الدولية، بينما لا يشعر المصري بالضرورة بأن الأسعار رخيصة على الإطلاق.
الجنيه فقد الكثير من قيمته خلال سنوات قليلة
تأتي نتيجة مؤشر بيج ماك بعد سنوات شهد فيها سعر صرف الجنيه تحولات حادة. فقد انتقلت العملة المصرية من مستويات أقل كثيرًا أمام الدولار إلى أكثر من 50 جنيهًا، بالتزامن مع أزمات في توافر العملة الأجنبية وارتفاع الديون والتضخم وخروج استثمارات أجنبية وظهور سوق موازية للدولار خلال بعض الفترات.
وأدت عمليات خفض قيمة الجنيه إلى زيادة تكلفة الواردات، خصوصًا أن مصر تستورد كميات كبيرة من الغذاء والطاقة والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج.
وفي المقابل، كان الهدف الاقتصادي من مرونة سعر الصرف هو تقليص الاختلال بين السعر الرسمي والسوق، وتحسين قدرة الاقتصاد على جذب التدفقات الدولارية، ومنح العملة سعرًا أكثر ارتباطًا بالعرض والطلب.
لكن نتيجة «الإيكونوميست» توضح أن الجنيه أصبح، عند النظر إلى أسعار السلع المحلية، منخفض القيمة جدًا مقارنة بالدولار.
اقرأ أيضا: قرار جيل زد يهدد الجنيه المصري.. هذه أبرز تداعياته
لماذا تستخدم الإيكونوميست شطيرة برغر لقياس العملات؟
بدأ مؤشر بيج ماك باعتباره أداة شبه ساخرة لتبسيط نظرية تعادل القوة الشرائية، لكنه تحول بمرور الوقت إلى واحد من أشهر المؤشرات الاقتصادية في الإعلام العالمي.
اختيار بيج ماك ليس عشوائيًا، لأن المنتج متشابه إلى حد كبير في عشرات الدول ويحتوي على عناصر متنوعة من الاقتصاد المحلي، بدءًا من اللحوم والخبز والخضراوات، مرورًا بأجور العاملين والكهرباء، وصولًا إلى الإيجارات والخدمات اللوجستية.
ولهذا يمكن استخدام اختلاف سعره بوصفه نافذة مبسطة على اختلاف مستويات الأسعار بين الاقتصادات.
لكن المؤشر نفسه لا يقدم بديلًا كاملًا للمقاييس الاقتصادية الأكثر تعقيدًا، كما أن الأسعار يمكن أن تتأثر بالضرائب وهوامش أرباح ماكدونالدز والمنافسة المحلية واستراتيجية التسعير، وهي عوامل لا علاقة لها بسعر العملة وحده.
اقرأ أيضا: خفض الجنيه المصري خلال حرب إيران خطوة ذكية
هل الجنيه المصري مظلوم أمام الدولار؟
بحسابات «الإيكونوميست»، الإجابة هي نعم: الجنيه المصري من العملات المقومة بأقل من قيمتها أمام الدولار، وبفارق يصل إلى نحو 53.9%.
لكن بالنسبة إلى سوق الصرف، القضية أكثر تعقيدًا بكثير من ثمن وجبة في ماكدونالدز.
فالرقم اللافت الذي يضع الدولار عند 23.31 جنيهًا لا يعني أن الأمريكيين أو المستثمرين سيبدؤون قريبًا في شراء الجنيه حتى يعود إلى ذلك المستوى، وإنما يعبر عن عالم مختلف من أسعار السلع والقوة الشرائية.
ومع ذلك، يحمل المؤشر رسالة اقتصادية مهمة: بعد سنوات من انخفاض قيمة العملة، أصبحت مصر رخيصة جدًا عند تسعير كثير من منتجاتها وخدماتها بالدولار.
والسؤال الأهم للاقتصاد المصري ليس ما إذا كان الدولار «يستحق» 23 أو 50 جنيهًا، وإنما ما إذا كانت البلاد تستطيع تحويل هذا الانخفاض الكبير في تكاليفها الدولارية إلى ميزة إنتاجية وتصديرية ترفع قيمة الجنيه مستقبلًا بصورة طبيعية، بدل انتظار تحسن سعر الصرف بقرار أو أمنية.
اقرأ أيضا: نظام الطيبات يهدد الجنيه المصري
أفضل منصات التداول الموثوقة
| إبدأ الآن | شراء وبيع الأسهم الأمريكية | |
|---|---|---|
| إبدأ الآن | مراجعة اكسنيس | |
| إبدأ الآن | مراجعة XM | |
| إبدأ الآن | مراجعة AvaTrade |
