الجنيه المصري

دخلت حركة «جيل زد» المصرية مرحلة تصعيد جديدة بعد إعلانها ما سمته «المقاطعة المصرفية» ردًا على قرار رفع أسعار البنزين، داعية إلى سحب المدخرات من البنوك، والامتناع عن إيداع أموال جديدة، وتحويل المدخرات إلى الذهب أو الأصول الثابتة أو العملات الرقمية، إلى جانب مطالبة المصريين في الخارج بعدم إرسال التحويلات عبر القنوات الرسمية.

وبينما تبدو هذه الدعوات في ظاهرها احتجاجًا اقتصاديًا، فإن أثرها المحتمل يتجاوز البنوك إلى قلب معادلة الجنيه المصري نفسه.

الجنيه في هذه المرحلة يعتمد بشدة على تدفقات العملة الأجنبية والثقة في النظام المصرفي. وأي خطاب يدفع الناس إلى الخروج من البنوك أو الابتعاد عن القنوات الرسمية للتحويل أو التحول إلى الذهب والعملات المشفرة، يضغط مباشرة على سوق الصرف ويغذي التوقعات السلبية تجاه العملة المحلية.

لماذا تمثل هذه الدعوات خطرًا على الجنيه؟

لأن الاقتصاد المصري لا يواجه فراغًا ماليًا عاديًا، بل يمر أصلًا بفترة حساسة، فقد ذكرت رويترز هذا الشهر أن الحرب في المنطقة تختبر الاقتصاد المصري، مع خروج ما بين 5 و8 مليارات دولار من استثمارات الأجانب في أدوات الدين، وتراجع الجنيه إلى أكثر من 52 جنيهًا للدولار، إلى جانب ضغوط إضافية مرتبطة بالطاقة والاستيراد.

في هذا السياق، أي دعوة إلى سحب الأموال من البنوك أو تجنب الإيداع الرسمي لا تُفهم فقط باعتبارها خطوة احتجاجية، بل كعامل إضافي يضعف الثقة في القنوات المالية المنظمة، ويدفع جزءًا من السيولة نحو الذهب والدولار والسوق الموازية والأصول البديلة.

وهذا النوع من السلوك عادة ما يضغط على العملة المحلية لأنه يزيد الطلب على أدوات التحوط ويقلل الاعتماد على الجنيه كوعاء ادخار.

تحويلات الخارج… نقطة الضعف الأخطر

الأخطر في بيان الحركة كان النداء الموجه إلى المصريين في الخارج للتوقف عن إرسال التحويلات عبر القنوات الرسمية. فهذه التحويلات ليست مصدرًا هامشيًا، بل واحدة من أهم شرايين النقد الأجنبي في مصر.

البنك المركزي المصري أعلن في يناير 2026 أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025 ارتفعت بنسبة 42.5%. كما ذكرت رويترز أن التحويلات سجلت 41.5 مليار دولار خلال عام 2025 كاملًا، مع وصولها إلى 4 مليارات دولار في ديسمبر وحده.

هذا يعني أن أي محاولة لتحويل جزء من هذه التدفقات بعيدًا عن الجهاز المصرفي الرسمي لا تضرب البنوك فقط، بل تضرب أحد أهم مصادر الدولار في السوق المصرية. وإذا تراجعت التحويلات الرسمية، يتراجع المعروض من النقد الأجنبي داخل القنوات النظامية، ويزداد الضغط على الجنيه وعلى قدرة البنوك على تلبية الطلب.

القطاع المصرفي نفسه عنصر استقرار

تقارير الاستقرار المالي الصادرة عن البنك المركزي المصري كانت قد أكدت أن ودائع الأسر تمثل الحصة الأكبر من إجمالي الودائع في الجهاز المصرفي، بما يعكس أهمية ثقة الأفراد في البنوك كركيزة للاستقرار المالي. كما أشار البنك إلى نمو الودائع ونشاط القطاع خلال 2025.

لهذا، فإن استهداف البنوك في الخطاب الاحتجاجي ليس مجرد معركة رمزية، بل مساس مباشر بإحدى المؤسسات التي يعتمد عليها الاقتصاد في امتصاص الصدمات، خصوصًا في لحظة تتعرض فيها مصر أصلًا لضغوط خارجية من الحرب، والطاقة، وخروج بعض الاستثمارات.

لماذا الذهب والعملات الرقمية تحديدًا؟

لأنهما في أوقات القلق يُقدمان نفسيًا كبديلين عن العملة المحلية. الذهب يُستخدم تاريخيًا كملاذ للتحوط من التضخم وتآكل قيمة العملة، بينما تُطرح العملات الرقمية في بعض الخطابات الاحتجاجية باعتبارها وسيلة للتحويل أو الادخار خارج الرقابة الرسمية.

لكن على المستوى الاقتصادي، هذا التحول يعني شيئًا واحدًا: ابتعاد جزء من السيولة عن الجنيه. وكلما زاد هذا الاتجاه، زادت صعوبة تثبيت توقعات السوق حول العملة المحلية، خاصة إذا ترافق مع خروج استثمارات أجنبية أو تراجع تدفقات التحويلات الرسمية.

أزمة بنزين تتحول إلى ضغط على العملة

قرار رفع أسعار البنزين الذي فجر هذا التصعيد جاء أصلًا في لحظة صعبة، رويترز أفادت قبل أيام بأن مصر رفعت أسعار الوقود بين 14% و17% وسط اضطراب أسواق الطاقة العالمية الناتج عن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.

لكن ما بدأ كقرار مرتبط بالطاقة وكلفة الدعم تحول الآن إلى خطاب احتجاجي يستهدف البنوك والتحويلات والمدخرات، أي الأدوات التي يقوم عليها جزء كبير من التوازن النقدي اليومي في البلاد.

دعوات «جيل زد» لا تضغط فقط على الحكومة سياسيًا، بل تهدد بفتح جبهة مباشرة ضد الجنيه المصري نفسه. فالمقاطعة المصرفية، إذا اتسعت أو حتى أثرت نفسيًا في سلوك الأفراد، قد تعني مزيدًا من الضغط على البنوك، وانخفاضًا في التحويلات الرسمية، وارتفاعًا في الطلب على الذهب والعملات الأجنبية والبدائل غير المنظمة.