
يستمر انهيار الجنيه المصري في السوق السوداء وهي التي تقود اليوم مشهد العملة المصرية وتتحكم في سعره الحقيقي، في ظل تمسك البنك المركزي المصري بالدولار عند 31 جنيه في أفضل الأحوال.
وهذا بالطبع عيب نظام الصرف الثابت والذي يعد السبب الأساسي في ظهور السوق السوداء وغياب ثقة السوق في الأسعار الرسمية واللجوء إلى التداول خارج القنوات الأساسية.
في آخر تداولات الدولار الأمريكي بالسوق السوداء وصل إلى 60 جنيها وخلال الساعات الماضية رصدنا بعض المعاملات لشراء الدولار الأمريكي بمبلغ 70 جنيها ويعد هذا صادما.
تضررت مصر من هجمات الحوثيين على التجارة الدولية في البحر الأحمر وتراجعت إيرادات قناة السويس بنسبة 40% في الشهر الحالي وهو ما يوضح للجميع خطورة ما يحدث في المنطقة وينذر بالأسوأ للإقتصاد المصري.
ورغم كل التحسينات في بيئة الإستثمار بمصر يظل تمسك البنك المركزي بنظام الصرف الثابت كارثيا للغاية، وهو السر وراء ظهور السوق السوداء ولجوء الناس إليها وتراجع تدفق الدولارات على البنوك والقنوات الرسمية في البلاد.
هناك صعوبات كبيرة للحصول على الدولار الأمريكي في مصر، خصوصا وأن المستثمرين والمهتمين بالسوق المصرية مترددون وينتظرون التعويم الكامل وليس فقط الخفض الجزئي للعملة.
والحل الوحيد لإيقاف انهيار الجنيه المصري في السوق السوداء واضح وهو التعويم الكلي للعملة المصرية وجعلها خاضعة لآليات السوق الرسمية والدولية وليس للسوق السوداء التي يمكن أن تبالغ وتشهد مضاربات يصدق نتائجها الجميع ويتداولون بناء على أسعارها.
وبينما يقترب سعر الدولار من 31 جنيها في البنوك المصرية فإن تسعير العملة المصرية الحقيقي خرج من يد البنك المركزي المصري والسلطات المصرية وتسيطر عليه السوق السوداء التي تعد حرة أكثر وتقدم السعر الأقرب للحقيقة بالنسبة للدولار والعملات الأخرى.
لاحظنا في عمليات الخفض الجزئي السابقة أن السوق السوداء تختفي كلما تدفقت الدولارات وانخفض الجنيه في البنوك الرسمية، لكن بعد فترة من الجمود وإيقاف التعويم تظهر مجددا تلك السوق غير الرسمية.
سواء بمنع التعويم أو بالقيام به سيستمر انهيار الجنيه المصري، لكن على الأقل في التعويم الكامل سيحدث الإنهيار في النور ثم تتعافى العملة المصرية مع تدفق الإستثمارات الأجنبية والخليجية.
الطريق الذي تسير فيه مصر حاليا يشبه تماما طريق لبنان والدول التي انهارت عملاتها كليا، حيث تركت الحكومات السوق السوداء تتحكم في العملة وتذهب بها إلى القيعان، وكل مرة تقدم الحكومة على خفض العملة لتقليل الفجوة بين سعر السوق الرسمية والسوداء في عملية لا تنتهي.
قد يقدم البنك المركزي المصري على خفض الجنيه إلى 39 مقابل الدولار وحينها ستتعافى تدفقات الدولارات، ثم بعدها بأسابيع وأشهر سيتراجع الزخم وستقوم السوق السوداء بتسعير الدولار عند 80 جنيها، وسيلجأ مجددا التجار والناس إلى هذه السوق غير الرسمية لشراء وبيع الدولار، لتستمر هذه المعضلة إلى ما لا نهاية.
لهذا السبب لا مفر من التعويم الكامل للعملة المصرية وفتح السوق المصرية أمام الإستثمارات الأجنبية والمشاريع والمنافسة وتقديم التسهيلات للقطاع الخاص من أجل جلب المصانع التي ستأتي إلى مصر التي تتوفر على كفاءات بشرية كما أن عملتها هي ميزة تنافسية في الأسواق الدولية.
إلغاء التعويم سيكون كارثيا فيما الخفض الجزئي للعملة المصرية كما حدث في السنوات الأخيرة لم يعد حلا ناجحا، حان الوقت للتعويم الكامل، نعم سيتألم المصريين لكن الإصلاحات الناجحة عادة ما تكون قاسية وستحصد مثير مكاسب كبيرة في السنوات القادمة إذا أنهت نظام الصرف الثابت هذا العام.
إقرأ أيضا:
قصة تعويم الدولار الأسترالي قبل 40 عاما ومكاسب أستراليا
هل سيتم تعويم الجنيه المصري مرة أخرى؟
5 أسباب وراء ارتفاع دولار السوق السوداء في مصر
هل هناك تعويم قادم بعد فوز السيسي بولاية 2024-2030؟
تأثير حرب غزة على سعر الدولار مقابل الجنيه في السوق السوداء
