
مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني، يتصاعد في الخطاب السياسي والديني من واشنطن إلى تل أبيب إلى طهران والتي تتفق على أنها حرب دينية.
بعض القادة والمسؤولين لا يخفون استخدام لغة لاهوتية، بينما يذهب رجال دين ومعلقون سياسيون إلى أبعد من ذلك، متحدثين عن “معركة الخير والشر” أو حتى عن “نبوءات نهاية العالم”.
وإذا كان هذا الوصف صحيحًا بالفعل، فإن الاستنتاج المنطقي يصبح واضحًا: الدين هو أحد الأسباب الجوهرية التي تجعل الشرق الأوسط أسير الصراعات حتى اليوم.
عندما تتحول الحرب إلى نبوءة دينية
كشفت تقارير حديثة أن بعض القادة العسكريين الأمريكيين استخدموا خطابًا دينيًا لتفسير الحرب، حيث أُبلغ جنود أمريكيون أن الصراع مع إيران قد يكون جزءًا من “خطة إلهية” أو خطوة نحو “معركة هرمجدون” المذكورة في سفر الرؤيا في الكتاب المقدس.
بل إن شكاوى قُدمت داخل الجيش الأمريكي أفادت بأن بعض القادة أخبروا الجنود أن العمليات العسكرية ضد إيران مرتبطة بعودة المسيح أو بتحقيق نبوءات توراتية.
هذه ليست مجرد مبالغات إعلامية، بل مؤشرات على أن الدين لا يزال حاضرًا في تفسير الحرب حتى داخل مؤسسات يفترض أنها علمانية بالكامل.
ومن المعلوم أن إدارة ترامب الحالية تتضمن مسؤولين متدينين وتميل إلى استخدام الديني المسيحي على عكس الإدارات السابقة التي كانت يسارية أو ليبرالية أكثر.
من الجانب الإسرائيلي، لا يختلف الخطاب كثيرًا في بعض الأحيان، فالرواية السياسية حول “محور الشر” الإيراني تُقدَّم أحيانًا في سياق حضاري–ديني، حيث تُصوَّر المعركة كصراع بين قوى الخير والشر في الشرق الأوسط.
ورغم أن إسرائيل دولة علمانية وجيشها يتضمن الدروز الموحدين والمسلمين وهي دولة مبنية على الطراز الحديث إلا أن اليمين القومي يميل إلى استخدام النصوص الدينية لتفسير تشدده.
أما في الجانب الإيراني، فإن النظام نفسه يقوم أساسًا على عقيدة دينية ثورية، ويقدم الصراع مع الغرب وإسرائيل بوصفه مواجهة بين “المقاومة الإسلامية” و”الاستكبار العالمي”.
وعلى المحور السني هناك ميول أيضا إلى تبني خطاب ديني لتبرير الوقوف ضد حق إسرائيل في الوجود والتشجيع على إبادة اليهود.
الشرق الأوسط: المنطقة الأكثر تدينًا والأكثر صراعًا
إذا نظرنا إلى الخريطة العالمية، نجد مفارقة واضح، إذ أن المناطق الأكثر علمانية في العالم مثل أوروبا الغربية وشرق آسيا هي الأقل صراعًا، بينما المناطق الأكثر تديّنًا سياسيًا مثل الشرق الأوسط هي الأكثر اضطرابًا.
ليس من قبيل المصادفة أن معظم صراعات المنطقة تدور حول روايات دينية، فالصراع الإسرائيلي–الفلسطيني يحمل بعدًا دينيًا واضحًا، والحرب في سوريا تحولت إلى صراع طائفي، والتوتر بين إيران والسعودية أخذ طابعًا سنيًا–شيعيًا، حتى الحرب على إيران تُفسَّر الآن في بعض الخطابات بوصفها معركة دينية.
بعبارة أخرى، الشرق الأوسط يعيش داخل منظومة صراعات ميتافيزيقية لا صراعات سياسية فقط، وكل قوم ينتظر أن ينتصر ويسحق الآخرين ويخضع الجميع لمنظوره الديني.
ورغم أن الشرق الأوسط ليس فقيرًا بالموارد، بل هو أحد أغنى مناطق العالم بالطاقة والممرات التجارية، وليس فقيرًا بالبشر، بل يضم أكثر من 400 مليون إنسان، إلا أنه يعيش منذ قرن تقريبًا في دوامة صراعات متكررة، السبب ليس النفط ولا الحدود وحدها، بل العقلية الدينية التي تجعل كل صراع معركة مقدسة.
حين يُقال للمجتمع إن الحرب جزء من “خطة إلهية”، فإن أي تسوية سياسية تصبح خيانة للإيمان، وحين يُقنع الجنود أنهم يقاتلون تنفيذًا لنبوءة دينية، فإن القتل يتحول إلى واجب مقدس، وبهذه الطريقة تتحول الحروب إلى طقوس عقائدية، لا إلى نزاعات قابلة للحل.
ولذلك، فإن القول إن الدين أحد أسباب فوضى الشرق الأوسط ليس اتهامًا اعتباطيًا، بل وصف لواقع سياسي واضح، فكلما دخل الدين في معادلة الحرب، خرج العقل من المعادلة، وكلما تحولت السياسة إلى لاهوت، أصبح السلام مستحيلاً.
لا يعني هذا أن الدين وحده مسؤول عن كل المآسي، هناك مصالح دولية، وصراعات على الموارد، وتدخلات خارجية، لكن الدين يصبح أخطر عامل عندما يتحول إلى لغة تبرير للعنف، عندها يصبح الخصم ليس مجرد دولة منافسة، بل “عدو الله” ويجب القضاء عليه.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية للشرق الأوسط، فبينما تتجه مناطق أخرى من العالم نحو عقلانية سياسية وبراغماتية اقتصادية، لا تزال هذه المنطقة تُدار بخطابات مقدسة تُغلق باب التسوية.
