الحرب إسرائيل إيران

من المفترض أن تكون الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وفق الرواية الرسمية، عملية ردع إستراتيجية تهدف إلى منع انتشار الأسلحة الخطرة ومنع نظام في طهران من امتلاك قدرة نووية تهدد المنطقة والعالم.

هذا هو التفسير السياسي والعسكري الذي تقدمه الحكومات في واشنطن وتل أبيب، لكن ما يتسلل إلى الخطاب العام في الأيام الأخيرة يثير قلقًا أعمق: دخول لغة دينية في تفسير الحرب، وكأن الصراع ليس مسألة توازن قوى وردع نووي، بل فصل جديد من نبوءات الكتاب المقدس.

هذه ليست مبالغة صحفية، ففي 28 فبراير، استدعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رمزية عيد عيد بوريم في حديثه عن مواجهة إيران، مستحضرًا قصة سفر إستير التي تدور أحداثها في الإمبراطورية الفارسية القديمة.

المقارنة واضحة: في الرواية التوراتية، سعى مسؤول فارسي إلى إبادة اليهود، واليوم بحسب الخطاب الإسرائيلي يهدد النظام الإيراني وجود إسرائيل بشعارات يرردها منذ 1979 لعل أبرزها الموت لإسرائيل.

المشكلة ليست في استخدام التاريخ أو الثقافة في الخطاب السياسي، بل في تحويل الصراع الجيوسياسي إلى امتداد مباشر لنصوص دينية وخرافات الأولين، حين يحدث ذلك، تتحول السياسة من حسابات استراتيجية قابلة للمراجعة إلى سردية قدرية لا تقبل النقاش، وتصبح الحرب في المخيال الشعبي، تنفيذًا لتاريخ مقدس لا يمكن الهروب منه.

الأمر لا يقتصر على إسرائيل، في الولايات المتحدة، ظهرت تقارير تتحدث عن استخدام لغة دينية داخل بعض الأوساط السياسية والعسكرية، حيث أشار أحد القادة العسكريين إلى هرمجدون وعودة المسيح في سياق الحديث عن الحرب مع إيران.

قد يكون هذا الخطاب مبالغًا فيه أو معزولًا في بعض الدوائر، لكن مجرد وجوده في النقاش العام يخلق مشكلة حقيقية، فالقوة الأمريكية تاريخيًا قامت على النظام الدستوري والعقل المدني، لا على تخيلات نهاية العالم.

إن تحويل الحرب إلى خطاب ديني لا يقوي الموقف الغربي، بل يضعفه على ثلاثة مستويات أساسية.

أولًا، لأنه يقوض التحالفات، فمواجهة إيران لا تعتمد على الولايات المتحدة وإسرائيل وحدهما، بل على شبكة معقدة من الشركاء: الديمقراطيات الأوروبية، ودول عربية سنية تخشى النفوذ الإيراني، ودول أخرى قلقة من انتشار السلاح النووي.

هذه الدول لا تنضم إلى التحالف لأنها تؤمن بنبوءة توراتية، بل لأنها تشارك مخاوف أمنية ملموسة، ولكن عندما يُقدم الصراع على أنه قدر ديني، يصبح من الصعب الحفاظ على تحالف واسع مبني على المصالح المشتركة.

ثانيًا، لأن هذا الخطاب يعكس رؤية الخصم نفسه، النظام الإيراني، منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، يقوم على دمج الدين بالدولة، الحرس الثوري يتحدث بلغة الشهادة والجهاد والمصير الإلهي.

إذا ردت الديمقراطيات الغربية على هذا الخطاب بلغة دينية مماثلة، فإنها لا تهزم الرواية الإيرانية بل تؤكدها، حينها يتلاشى الفرق الأخلاقي بين دولة دينية تبرر العنف باسم العقيدة ودول تقول إنها تحكم بالقانون.

ثالثًا، لأن تديين الحرب يفسد النقاش الديمقراطي داخل الدول نفسها، في الجمهورية، من حق المواطنين أن يسألوا عن جدوى الحرب وتكلفتها واستراتيجيتها، لكن عندما تُصوَّر الحرب كجزء من خطة إلهية، يصبح التشكيك فيها نوعًا من العصيان العقائدي، حينها تتحول الحكمة إلى ضعف، والتسوية إلى خيانة، والنقد إلى كفر وهذه بيئة سامة لأي نظام ديمقراطي.

التاريخ يقدم دروسًا قاسية في هذا المجال، خلال الحروب الصليبية، جرى تقديم النزاعات السياسية والإقليمية كواجبات مقدسة، وكانت النتيجة قرونًا من الدماء والانقسامات الحضارية.

وفي حرب الثلاثين عامًا، أدى التعصب الديني إلى تدمير أجزاء واسعة من أوروبا وجعل السلام شبه مستحيلا، وفي العصر الحديث، استخدمت حركات متطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية خطاب “الخلافة الإلهية” لتبرير عنف شكل صدمة للعالم ولتيار واسع من المسلمين أنفسهم.

القاسم المشترك بين كل هذه الأمثلة واضح: عندما تتحول الحرب إلى حرب مقدسة، يصبح إنهاؤها أكثر صعوبة.

لا يعني هذا التقليل من خطورة النظام الإيراني، فالنظام في طهران دعم شبكات من الميليشيات في المنطقة، وسعى إلى تطوير برنامج نووي مثير للجدل، وأطلق قادته مرارًا تصريحات عدائية تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، هذه تهديدات حقيقية تستدعي ردعًا حقيقيًا، لكن الردع يحتاج إلى لغة استراتيجية لا إلى لغة نبوءات وخرافات تدعم رؤية المتشددين والحمقى للعالم.

إذا كان الهدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فالأدوات معروفة: التفتيش الدولي، العقوبات، الردع العسكري، وبناء تحالفات إقليمية، وإذا كان الهدف دعم الإيرانيين الذين يطالبون بالحرية، فالأدوات هي دعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان والتواصل مع الشعب الإيراني نفسه.

أما تحويل الحرب إلى معركة دينية فلن يحقق أيًا من هذه الأهداف، بل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: تحويل الصراع من نزاع سياسي قابل للحل إلى مواجهة حضارية مفتوحة.

وهنا يجب تذكر حقيقة غالبًا ما تُنسى في خضم الخطاب المتشدد، وهي أن ملايين الإيرانيين لا يرون أنفسهم في حرب دينية مع الغرب، والدليل على ذلك هي الإحتجاجات الواسعة التي طالب فيها كثير من الإيرانيين بحياة طبيعية وعلاقات طبيعية مع العالم.

الولايات المتحدة نفسها تأسست على فكرة ثورية: أن شرعية الحكم تأتي من إرادة الشعب لا من التفويض الإلهي، وعندما تحرر الغرب من الدولة الدينية المسيحية المستبدة حينها فقط تقدم ثم مر عبر الدول القومية المتعصبة التي تسببت في الحربين العالميتين ثم إلى الدولة الليبرالية التي تساوي بين الجميع.

يمكن للدين أن يكون جزءًا من الحياة الشخصية والثقافية، لكن عندما يتحول إلى أساس للسياسة الخارجية والحرب، يبدأ النظام الديمقراطي في فقدان روحه ويعود العالم إلى عصور الحروب الدينية.