
في السياسة الدولية، ليست المشكلة في أن تتخذ الدول مواقف أخلاقية، بل في أن تتحول الأخلاق إلى أداة انتقائية، وهذا ما تفعله إسبانيا التي تقدم نفسها صوتا معارضا للحرب في غزة ثم لخطوة الولايات المتحدة في فنزويلا ثم الآن للحرب الأمريكية على إيران.
تقدم إسبانيا نفسها خصوصًا في عهد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، كصوت أوروبي مرتفع في الدفاع عن القانون الدولي، سواء في الحرب على غزة أو في التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
الخطاب الرسمي في مدريد يندد بالضربات العسكرية، ويحذر من الفوضى الإقليمية، ويتحدث بلغة القانون الدولي وحقوق الإنسان كما لو كانت إسبانيا تقف على الضفة الأخلاقية العليا للنظام العالمي.
وبينما نالت الحكومة الإسبانية تقدير اليساريين والإسلاميين والغوغائيين حول العالم وحتى بعض الأنظمة الإستبدادية التي وجدت مواقفها متطابقة مع المواقف الإسبانية الرسمية إلا أن هناك غضب شعبي متزايد من سياسات الحكومة الحالية.
ويظهر جليا ازدواجية معايير الحكومة الإسبانية عندما يتعلق الأمر باحتلالها لمدينتي سبتة ومليلية، وهما آخر بقايا الامتداد الاستعماري الأوروبي المباشر في القارة الإفريقية.
منذ قرون، تحتفظ مدريد بهاتين المدينتين كأراضٍ إسبانية، رغم أنهما تقعان جغرافيًا داخل المغرب، وتحيط بهما الأراضي المغربية من كل جانب، وهنا يتوقف فجأة الحديث الإسباني عن القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير المصير.
لقد تبنت حكومة سانشيز خطابًا متشددًا تجاه العمليات العسكرية في غزة، ورفعت مستوى المواجهة الدبلوماسية مع تل أبيب، وقدمت نفسها كمدافع عن الشرعية الدولية.
بل إن مدريد ذهبت أبعد من ذلك، فانتقدت بقوة الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، معتبرة أن هذا التصعيد يهدد الاستقرار الإقليمي ويغذي العداء تجاه الغرب.
صحيفة إل باييس، القريبة تقليديًا من التيار اليساري الوسط في إسبانيا، نقلت عن مسؤول حكومي قوله إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “يدمر نفسه بنفسه”، وإن التدخلات العسكرية الأمريكية قد تؤدي إلى مزيد من العداء في العالم العربي والشرق الأوسط، مع خطر تصاعد الإرهاب وعدم الاستقرار.
هذا خطاب يبدو، في ظاهره، متمسكًا بالقانون الدولي. لكن المشكلة تبدأ عندما نضع مرآة أمام مدريد نفسها.
فالدولة التي تدين الاحتلال العسكري في الشرق الأوسط، وتنتقد السياسات التوسعية في العالم، تحتفظ في الوقت نفسه بمدينتين إفريقيتين تحت سيادتها منذ قرون.
وإذا كان مبدأ مدريد هو احترام القانون الدولي، فإن السؤال البسيط يصبح: لماذا لا ينطبق هذا المبدأ على سبتة ومليلية؟
تاريخيًا، سيطرت إسبانيا على سبتة عام 1580 عندما كانت تحت التاج البرتغالي قبل أن تنتقل إلى السيادة الإسبانية، بينما خضعت مليلية للحكم الإسباني منذ نهاية القرن الخامس عشر.
في زمن الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية، كان ذلك جزءًا من توسع عسكري في شمال إفريقيا، لكن العالم تغير منذ ذلك الحين وتخلى الغرب عن الاحتلال العسكري التقليدي واعترف بحق الشعوب في الإستقلال.
تفككت الإمبراطوريات الاستعمارية، واستقلت معظم دول إفريقيا وآسيا، وأصبحت تصفية الاستعمار أحد المبادئ الأساسية للنظام الدولي الحديث، ومع ذلك، بقيت المدينتان خارج هذا المسار التاريخي، لأنهما ببساطة داخل حدود الاتحاد الأوروبي.
في الخطاب الرسمي الإسباني، تُصوَّر سبتة ومليلية كمدينتين إسبانيتين كاملتي السيادة لا كأراضٍ محتلة، لكن الجغرافيا لا تقبل هذا المنطق.
المدينتان تقعان في إفريقيا، ولا ترتبطان بالبر الأوروبي إلا عبر البحر، ووجودهما تحت السيادة الإسبانية هو بقايا مباشرة لعصر التوسع الاستعماري الأوروبي في شمال إفريقيا.
هذا الواقع يضع مدريد أمام معضلة أخلاقية واضحة، إذ لا يمكن لدولة أن تتبنى خطابًا صارمًا حول القانون الدولي في غزة أو إيران، ثم تتعامل مع ملفها الاستعماري الخاص كأنه خارج النقاش.
وبينما من حق مدير انتقاد إسرائيل أو الولايات المتحدة، فذلك حق مشروع لأي دولة. المشكلة أن تتحول هذه الانتقادات إلى خطاب أخلاقي عالمي بينما تبقى ملفات أخرى خارج المراجعة.
إذا كانت الحكومة الإسبانية ترى نفسها مدافعة عن القانون الدولي، فإن هذا القانون يجب أن يكون شاملاً لا انتقائيًا، وإلا فإن الخطاب الأخلاقي يتحول إلى أداة سياسية، لا إلى مبدأ.
وإذا كانت مدريد ترى أن الاحتلال العسكري غير شرعي في الشرق الأوسط، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال نفسه حول آخر البقايا الاستعمارية الأوروبية في إفريقيا.
