
في غضون ثلاث سنوات فقط، انتقلت فان سبايسي من كونها منصة مدفوعة صغيرة تنطلق من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى اسم حاضر بقوة في نقاشات صناعة المحتوى العالمية، ومنافس حقيقي لعمالقة مثل أونلي فانز وFansly.
ما يلفت الانتباه في هذه الرحلة ليس الخطاب التسويقي، بل الأرقام التي بدأت تتكرر في تقارير الصحافة الاقتصادية ومنصات عالمية متخصصة، لتؤشر إلى أن ما يحدث هنا ليس “ترندًا عابرًا”، بل صعودًا منظّمًا مبنيًا على نموذج اقتصادي مختلف.
في هذه المقالة، نضع تحت المجهر أبرز إحصائيات فان سبايسي المتاحة حتى نهاية 2025، ونحاول قراءتها في سياق تطور اقتصاد صُنّاع المحتوى، مع التركيز على ما تعنيه هذه الأرقام فعليًا للمبدعين، خصوصًا في منطقتنا العربية.
نجاحات فان سبايسي في 3 سنوات
تشير عدة تقارير صحفية إلى أن فان سبايسي انطلقت قبل ثلاث سنوات تقريبًا من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ثم بدأت في التوسع التدريجي نحو أوروبا، المملكة المتحدة، وأسواق أخرى، قبل أن تضع السوق الأميركية ضمن أهدافها التالية.
خلال هذه الفترة القصيرة تمكنت المنصة خلال العام الأخير وحده من جذب نحو 36 مليون مستخدم وحققت إيرادات سنوية تقارب 10 ملايين يورو، مع تأكيدات متكررة على أن هذه الإيرادات تضاعفت تقريبًا مقارنة بالعام السابق.
هذا النمط من النمو السريع في قاعدة المستخدمين والعائدات معًا، يضع المنصة ضمن فئة “اللاعبين الجدد الجادين” في سوق المنصات المدفوعة، وليس ضمن المشاريع الهامشية التي تظهر وتختفي في غضون شهور.
36 مليون مستخدم لمنصة فان سبايسي
الرقم الأكثر تداولًا فيما يخص فان سبايسي هو 36 مليون مستخدم خلال العام الأخير؛ وهو رقم يتكرر في أكثر من تقرير مستقل ومقالات رأي في منصات مثل Entrepreneur وVanity Fair وإصدارات أخرى غربية.
قراءة هذا الرقم يمكن أن تتم على أكثر من مستوى ألا وهي:
سرعة الانتشار:
الحديث هنا عن منصة حديثة نسبيًا، لا تمتلك بعدُ “عمر السوق” الذي تتمتع به منصات قديمة، ومع ذلك استطاعت أن تبني قاعدة مستخدمين من عشرات الملايين خلال فترة قصيرة، وفي أسواق متباعدة جغرافيًا وثقافيًا (من الشرق الأوسط إلى أوروبا ثم نحو أميركا).
تنوع الجمهور:
توسع المنصة في الشرق الأوسط، المملكة المتحدة، ودول أوروبية مختلفة، يعني أن قاعدة الـ36 مليون مستخدم ليست محصورة في سوق واحد، بل موزعة على مناطق ذات تشريعات وأنظمة دفع وعادات استهلاك رقمي مختلفة، وهو ما يعكس مرونة البنية التقنية والمالية للمنصة.
قابلية النمو المستقبلي:
بما أن دخول السوق الأميركية لا يزال في بدايته، فإن هذه الأرقام تبدو أقرب إلى “مرحلة ما قبل الانفجار” في حال نجح التوسع في الولايات المتحدة، حيث المنافسة قوية لكن حجم اقتصاد صُنّاع المحتوى أضخم بكثير من أي سوق أخرى.
إيرادات تقترب من 10 ملايين يورو
على مستوى الإيرادات، تتفق عدة مصادر على أن فان سبايسي حققت خلال العام الأخير قرابة 10 ملايين يورو من الدخل السنوي، مع تأكيد على أن هذه الإيرادات تضاعفت مقارنة بالعام السابق.
هذه الأرقام تُقرأ ضمن سياقين:
سياق زمني: منصة عمرها ثلاث سنوات فقط، تحقق ثمانية أرقام من الإيرادات السنوية، وتعلن عن نمو مضاعف من عام لآخر. هذا النمط غالبًا ما نشاهده في الشركات الناشئة التقنية ذات النمو العالي (High Growth), ما يعكس وجود طلب واضح على النموذج الذي تقدمه المنصة.
سياق اقتصادي لصنّاع المحتوى: إذا أخذنا في الاعتبار أن جزءًا كبيرًا من هذه الإيرادات يعود مباشرة إلى صُنّاع المحتوى (مع احتفاظ المنصة بحصتها من العمولات)، فإننا أمام منظومة لا تنمو على حساب المبدعين، بل بالتوازي معهم، وهو ما تعززه أرقام العمولات التي سنتوقف عندها في الفقرة التالية.
وإذا قُمنا بتقسيم تقريبي لإيرادات 10 ملايين يورو على 36 مليون مستخدم، نحصل على متوسط عائد سنوي للفرد أقل من يورو واحد، ما يعني أن هناك مساحة واسعة جدًا للنمو في معدل الإنفاق لكل مستخدم مع نضوج السوق وتوسع الخدمات وتطور أدوات البث والتفاعل.
حصة المبدعين: من 80٪ حتى 94٪ من الدخل
واحدة من أهم نقاط القوة الرقمية لمنصة فان سبايسي هي نموذج توزيع العوائد، فبحسب مقالات وتحليلات منشورة على موقع الشركة نفسه وعلى منصات خارجية، تبدأ عمولة المنصة من حوالي 20٪ في الوضع العادي، بحيث يحتفظ المبدع بنحو 80٪ من أرباحه، ويمكن أن تنخفض هذه العمولة إلى 6٪ فقط بالنسبة للحسابات ذات العائد المرتفع، أي أن المبدع يحتفظ بما يصل إلى 94٪ من دخله.
للمقارنة، كثير من المنصات المنافسة في هذا المجال تعتمد نسبة خصم مستقرة تقارب 20٪ من أرباح المبدع، دون تقديم نموذج تدريجي يكافئ الحسابات النشطة.
هذا الفارق يكتسب قيمته الحقيقية عند الحديث عن مبدع يحقق – على سبيل المثال – خمسة أو عشرة آلاف يورو شهريًا؛ إذ تتحول نسبة الـ14 نقطة المئوية (بين 20٪ و6٪) إلى مبلغ حقيقي يمكن استثماره في التسويق، أو تطوير المحتوى، أو حتى تحسين جودة الحياة لصاحب الحساب.
في عالم يتغير بسرعة، حيث لم تعد المنصات القديمة قادرة على الاحتفاظ باحتكارها، تبدو Fanspicy مثالًا على ما يمكن أن تفعله شركة صغيرة نسبيًا عندما تضع المبدع في قلب نموذجها الاقتصادي، بدل أن تعتبره مجرد رقم في قاعدة بيانات.
