ليندسي غراهام

خيّم الحزن على عدد من أقرب حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عقب الإعلان عن الوفاة المفاجئة للسيناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام، عن عمر ناهز 71 عامًا، بعد مرض قصير ومفاجئ.

ولم يكن غراهام مجرد عضو مخضرم في مجلس الشيوخ الأمريكي أو حليف مقرب للرئيس دونالد ترامب، بل كان واحدًا من أكثر السياسيين الأمريكيين دفاعًا عن إسرائيل، وداعمًا قويًا للشراكة الاستراتيجية مع المغرب والإمارات.

ويترك رحيله فراغًا واضحًا داخل الكونغرس بالنسبة إلى الدول الثلاث، التي كانت ترى فيه صوتًا نافذًا قادرًا على الدفاع عن مصالحها الأمنية والسياسية، والتأثير في قرارات المساعدات الخارجية والتسلح والعقوبات الأمريكية.

وأكد مكتب غراهام وفاته مساء السبت 11 يوليو 2026، بعد تعرضه لوعكة صحية مفاجئة، بينما ذكرت تقارير أمريكية أن خدمات الطوارئ استُدعيت إلى منزله في واشنطن إثر إصابته بسكتة قلبية محتملة.

إسرائيل تفقد أحد أعظم أصدقائها في واشنطن

بدت الصدمة أكثر وضوحًا في إسرائيل، حيث سارع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والرئيس إسحاق هرتسوغ ووزراء بارزون إلى نعي السيناتور الأمريكي الراحل.

ووصف نتنياهو غراهام بأنه «صديق محبوب»، مؤكدًا أنه كان يدرك أن أمن إسرائيل وأمن الولايات المتحدة مرتبطان بصورة وثيقة.

كما نعاه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ووزير الخارجية جدعون ساعر ورئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، معتبرين أنه كان من أكثر الأصوات ثباتًا في الدفاع عن إسرائيل داخل المؤسسة السياسية الأمريكية.

ولم تكن هذه الأوصاف مجرد مجاملات سياسية تقليدية، فقد أمضى غراهام سنوات طويلة في الدفاع عن المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، ومعارضة أي محاولات داخل الكونغرس لفرض قيود على تسليحها.

كما دعا إلى تبني سياسة أكثر تشددًا تجاه إيران، ودافع عن توجيه ضربات إلى منشآتها النووية والصاروخية، معتبرًا أن طهران تمثل التهديد الأكبر لأمن إسرائيل والمنطقة.

وخلال حرب غزة، تبنى غراهام مواقف شديدة الانحياز إلى الحكومة الإسرائيلية، ورفض ربط الدعم العسكري الأمريكي بأعداد الضحايا المدنيين أو بطريقة إدارة الحرب.

وفي عام 2019، رافق نتنياهو إلى مرتفعات الجولان، وكان من أبرز الداعين إلى اعتراف إدارة ترامب بالسيادة الإسرائيلية عليها.

لذلك لم يكن مستغربًا أن تصفه منظمات يهودية أمريكية عقب وفاته بأنه صديق استثنائي لإسرائيل ولليهود، وبأنه سياسي لم يكن يحتاج إلى الإقناع بأهمية أمن إسرائيل أو متانة العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة.

المغرب يخسر مدافعًا نافذًا داخل الكونغرس

أما بالنسبة إلى المغرب، فتأتي وفاة ليندسي غراهام لتسدل الستار على مسيرة واحد من أقوى الأصوات التشريعية الداعمة للشراكة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن.

وباعتباره شخصية نافذة في السياسة الخارجية الأمريكية، وعضوًا مؤثرًا في لجان المخصصات والدفاع والقضاء، كان غراهام قادرًا على التأثير في ملفات الدعم العسكري والمساعدات الخارجية والعلاقات الأمنية مع الدول الحليفة.

وكان ينظر إلى المملكة المغربية باعتبارها ركيزة للاستقرار في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، وشريكًا موثوقًا للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب والتطرف وتأمين المصالح الغربية في المنطقة.

وخلال زيارة وفد من أعضاء مجلس الشيوخ إلى الرباط عام 2023، أكد غراهام أن أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي ينظرون إلى المغرب بوصفه «قوة استقرار في منطقة غير مستقرة».

كما كان من أبرز الداعمين للتقارب بين المغرب وإسرائيل، ورحب بإعلان استئناف العلاقات بينهما في ديسمبر 2020، معتبرًا أن اتفاقيات أبراهام غيرت المشهد السياسي في الشرق الأوسط وفتحت الباب أمام علاقات اقتصادية وسياسية جديدة.

وأشاد حينها بقيادات المغرب وإسرائيل، ووصف الاتفاق بينهما بأنه إنجاز تاريخي تحقق ضمن سياسة إدارة ترامب لإعادة تشكيل تحالفات المنطقة.

ودعم غراهام كذلك مقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء باعتباره حلًا واقعيًا وقابلًا للتطبيق، كما دافع عن استمرار الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الإقليم بعد القرار الذي اتخذته إدارة ترامب في ديسمبر 2020.

وكان حضوره داخل مجلس الشيوخ يمنح الرباط حليفًا مهمًا في مواجهة التحركات السياسية التي تقودها الجزائر وجبهة البوليساريو ومؤيدوهما داخل واشنطن.

وبغيابه، يفقد المغرب سياسيًا أمريكيًا مخضرمًا جمع بين النفوذ التشريعي والعلاقات القوية مع البيت الأبيض، وكان مستعدًا للدفاع عن الرؤية المغربية في أكثر الملفات حساسية.

الإمارات تفقد حليفًا دافع عنها في أصعب الظروف

تعد الإمارات بدورها من أبرز الدول التي ربطتها بليندسي غراهام علاقة سياسية وثيقة، خصوصًا في ملفات الأمن الإقليمي ومواجهة إيران واتفاقيات أبراهام.

وقبل نحو خمسة أشهر فقط من وفاته، استقبل الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان السيناتور الأمريكي في أبوظبي، خلال لقاء ناقش العلاقات بين الإمارات والولايات المتحدة والأوضاع الأمنية في الشرق الأوسط.

وأفادت وكالة أنباء الإمارات بأن الطرفين بحثا سبل تعزيز الصداقة والتعاون بين البلدين، إلى جانب الجهود المشتركة لترسيخ السلام والاستقرار في المنطقة.

ولم يكتف غراهام خلال الزيارة بالحديث عن التعاون الثنائي، بل دافع علنًا عن الرئيس الإماراتي في مواجهة ما وصفه بالروايات الكاذبة المتداولة بشأن وفاته وبشأن سياسة الإمارات الإقليمية.

وأكد بعد اجتماع استمر نحو 90 دقيقة مع الشيخ محمد بن زايد أن أبوظبي تظل شريكًا رئيسيًا للولايات المتحدة، وأن الهجمات السياسية التي تستهدف القيادة الإماراتية لا تعكس طبيعة العلاقة بين البلدين.

وكان غراهام من أبرز المدافعين عن اتفاقيات أبراهام التي دشنت التطبيع الرسمي بين الإمارات وإسرائيل عام 2020، وشارك في إصدار بيانات تشريعية تطالب بحماية الاتفاقيات وتوسيعها.

وفي الذكرى الأولى لتوقيع الاتفاقيات، أشاد غراهام وزملاؤه في مجلس الشيوخ بالإمارات والمغرب والبحرين والسودان، معتبرين أن هذه الدول أظهرت استعدادًا لكسر دائرة الصراع وبناء علاقات جديدة مع إسرائيل.

وتلاقت مواقف السيناتور الراحل مع السياسة الإماراتية في عدد من الملفات، أبرزها مواجهة النفوذ الإيراني، ومحاربة التنظيمات المتشددة، وتعزيز التعاون الدفاعي مع واشنطن، ودعم الاندماج السياسي والاقتصادي بين إسرائيل والدول العربية.

مهندس سياسي لتحالف إسرائيل والمغرب والإمارات

جمع ليندسي غراهام بين علاقات وثيقة مع الدول الثلاث، وكان يرى في إسرائيل والمغرب والإمارات محورًا إقليميًا قادرًا على خدمة المصالح الأمريكية ومواجهة إيران والجماعات المسلحة والتحديات الأمنية في أفريقيا والشرق الأوسط.

وقد منحت اتفاقيات أبراهام هذا التصور إطارًا سياسيًا واضحًا، إذ تحولت العلاقات المنفصلة بين واشنطن وكل دولة إلى شبكة من الشراكات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية المتداخلة.

وبالنسبة إلى غراهام، لم يكن التقارب العربي الإسرائيلي مجرد مشروع دبلوماسي قصير الأجل، بل إعادة ترتيب استراتيجية للمنطقة على أساس مواجهة الخصوم المشتركين وربط الدول الحليفة للولايات المتحدة ببعضها بعضًا.

لهذا دافع عن العلاقات المغربية الإسرائيلية، وساند الشراكة الإماراتية الإسرائيلية، وعمل على حماية الدعم العسكري والسياسي الأمريكي لتل أبيب.

كما كان يتمتع بعلاقة شخصية مع نتنياهو والشيخ محمد بن زايد، وبقنوات اتصال مفتوحة مع المسؤولين المغاربة، ما جعله وسيطًا غير رسمي أحيانًا وصوتًا تشريعيًا موثوقًا في أحيان أخرى.

إقرأ أيضا: نظرية اغتيال ليندسي غراهام عدو روسيا وإيران