
كانت الجولة الخليجية التي أقدم عليها دونالد ترامب والتي شملت السعودية وقطر والإمارات ناجحة حيث تمكن من جلب صفقات استثمارية وصلت قيمتها إلى 3.6 تريليون دولار أمريكي.
كما أن هذه الصفقات ستجعل الإمارات والسعودية رائدتين في مجال الذكاء الإصطناعي إلى جانب تحقيق فوائد اقتصادية ومالية كبرى لبلدان مجلس التعاون الخليجي.
إعادة تشكيل التوازن الاستراتيجي في الخليج
تُعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الخليج العربي، والتي بدأت بالرياض، خطوة حاسمة لاستعادة النفوذ الأمريكي في منطقة شهدت تراجعاً ملحوظاً في الوجود السياسي والاستراتيجي للولايات المتحدة خلال العقد الماضي.
استغلت الصين هذا الفراغ لتوسيع حضورها في المنطقة، من خلال تعزيز استثماراتها في البنية التحتية، والتكنولوجيا، والتحول الرقمي. ومع ذلك، تأتي زيارة ترامب كصفعة استراتيجية للصين، التي كانت تأمل في استقطاب استثمارات خليجية بقيمة تريليونات الدولارات والاعتماد عليها في مجالات الذكاء الاصطناعي، التسلح، والتكنولوجيا.
الزيارة التاريخية أكدت على النفوذ الأمريكي القوي في الخليج العربي وتدني فرص الصين في احداث أي اختراق حقيقي رغم أنها أكبر مشتر للنفط الخليجي.
وكانت الصين التي تتمتع تاريخيا بعلاقات أفضل مع إيران مقارنة مع الخليج قد سعت في عهد بايدن إلى إحداث اختراق كبير وإقناع دول مجلس التعاون الخليجي بالإعتماد عليها تكنولوجيا وتسليحيا مع أن الصين ترفض التدخل في صراعات الشرق الأوسط وبالتالي لن توفر أي مظلة حماية لهذه الدول في مواجهة إيران التي تحظى بدعم صيني روسي.
ويفضل الخليجيين الولايات المتحدة الأمريكية لأنها الأقدر على توفير ما تريده هذه الدول من الإلتزام الدفاعي المشترك شبيه بما عقدته واشنطن مع كوريا الجنوبية واليابان ودول أخرى في جنوب شرق آسيا.
استثمارات خليجية كبرى ترسخ المصالح الثنائية
وكانت دول الخليج عن استثمارات غير مسبوقة في الولايات المتحدة، مما يعكس تحولاً جذرياً في التحالفات الاقتصادية والتكنولوجية.
لقد إلتزمت الإمارات باستثمار 1.4 تريليون دولار، مما يمهد الطريق لتصبح رائدة عالمياً في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030. كما أعلنت قطر عن استثمار 1.2 تريليون دولار، بينما تعهدت السعودية باستثمار 600 مليار دولار، مع وعد بزيادة هذا الرقم إلى تريليون دولار.
هذه الاستثمارات ليست مجرد أرقام، بل خطوة استراتيجية لتعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي، الحوسبة السحابية، وصناعة أشباه الموصلات.
تُظهر هذه الاستثمارات ثقة دول الخليج في الاقتصاد الأمريكي وقدرته على قيادة الابتكار التكنولوجي. وفي الوقت نفسه، تُعد رسالة واضحة إلى الصين بأن دول الخليج تفضل الشراكة مع واشنطن في التحول الرقمي، مما يحد من طموحات بكين في الهيمنة على هذا القطاع الحيوي.
الصين في الخليج: طموحات متعثرة
على مدى السنوات الماضية، عملت الصين على تعزيز نفوذها في الخليج من خلال مبادرة الحزام والطريق، التي ركزت على تطوير البنية التحتية، والموانئ، وشبكات الاتصالات.
كما أطلقت الصين “طريق الحرير الرقمي”، الذي يهدف إلى تعزيز التحول الرقمي في دول مجلس التعاون الخليجي، مع توقعات بمساهمة تصل إلى 255 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول بحلول 2030، وخلق 600 ألف وظيفة في قطاع التكنولوجيا.
ومع ذلك، تواجه الصين تحديات كبيرة في تحقيق هذه الطموحات. فقد أدى التقارب الخليجي مع الولايات المتحدة إلى إضعاف الشراكات الصينية في المنطقة.
على سبيل المثال، فشلت صفقة بيع طائرات إف-35 الأمريكية إلى الإمارات بسبب مخاوف واشنطن من استخدام معدات هواوي الصينية للتجسس على البنية التحتية الحساسة وهذا دفع الإمارات لإعادة النظر في تعاونها مع الصين وهي تراهن أكثر على الهند وهو حليف للغرب وخصم للصين.
كما منعت إدارة بيع الشرائح المتطورة التي تنتجها انفيديا وشركات أمريكية لدول الخليج خوفا من إعادة بيعها للصين التي تحتاج إلى التكنولوجيا الأمريكية، وقد اتفق ترامب وقادة الخليج على بيع مئات الآلاف من هذه الشرائح المتطورة لهم وإقامة مراكز بيانات متقدمة في المنطقة، مع إخضاع جميع أشباه الموصلات المتقدمة لرقابة أمنية أميركية صارمة وشاملة، للحفاظ على أمن التكنولوجيا الأميركية ومنع أي تسريب أو وصول غير مشروع.
وتطمح السعودية التي اشترت حوالي 200 مليار دولار من الأسلحة إلى الوصول نحو اتفاقية دفاعية مع السعودية والحصول على التكنولوجيا النووية السلمية.
ترامب والخليج: استراتيجية لاستعادة الهيمنة
تُعد زيارة ترامب إلى الخليج إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر الشرق الأوسط مسرحاً ثانوياً، بل منطقة حيوية في المنافسة الاستراتيجية مع الصين. وتتضمن استراتيجية ترامب عدة محاور رئيسية:
تعزيز الاستثمارات الدفاعية والتكنولوجية: تعهدت السعودية باستثمارات بقيمة 600 مليار دولار، تشمل أكثر من 100 مليار دولار في صفقات أسلحة، كما تُجهز واشنطن صفقة لتزويد المملكة بأشباه موصلات أمريكية متقدمة، بهدف استبعاد الصين من البنية التحتية المستقبلية للذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة.
السيادة الرقمية: تسعى الولايات المتحدة إلى جعل السيادة الرقمية محوراً أساسياً في شراكاتها الأمنية، من خلال تقديم بدائل تكنولوجية أمريكية لدول الخليج، مما يقلل من اعتمادها على الشركات الصينية مثل هواوي.
إعادة التموضع في سوريا: وافقت الولايات المتحدة على طلب السعودية والإمارات برقع العقوبات عن سوريا ومنح القيادة الجديدة الفرصة كي تندمج في المجتمع الدولي.
بالطبع الصفقات والتصريحات التي أطلقها مختلف المسؤولين الأمريكيين ونظرائهم الخليجيين تؤكد أن دونالد ترامب استعاد رضا الخليجيين وولائهم.
إعادة صياغة التحالفات الأمريكية في العالم
تُظهر زيارة ترامب التزام الولايات المتحدة بإعادة تشكيل التوازن الاستراتيجي في الخليج، من خلال تعزيز الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية مع دول المنطقة. هذه الخطوة ليست مجرد رد فعل على نفوذ الصين، بل استراتيجية استباقية لاستعادة الهيمنة الأمريكية في منطقة تُعد ممراً جيوسياسياً واقتصادياً حيوياً.
هذه الجولة وضعت الأسس لتحالف اقتصادي وتكنولوجي قوي بين الولايات المتحدة ودول الخليج، مما يضمن استمرار الريادة الأمريكية في الذكاء الاصطناعي، التسلح، والتحول الرقمي.
في المقابل، ستواجه الصين تحديات متزايدة في الحفاظ على نفوذها في المنطقة، خاصة مع تفضيل دول الخليج للشراكة مع واشنطن.
تُبرز زيارة ترامب إلى الخليج أهمية المنطقة في المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين، من خلال الاستثمارات الضخمة والشراكات التكنولوجية، تسعى واشنطن إلى استعادة مكانتها كالقوة الخارجية الرئيسية التي تشكل مستقبل الخليج.
في الوقت نفسه، تُعد هذه الزيارة ضربة موجعة لطموحات الصين في الهيمنة على التحول الرقمي والاقتصادي في المنطقة. مع استمرار هذا الصراع، سيظل الخليج ساحة حاسمة لتحديد التوازن العالمي للقوى.
