
تحولت قضية المهندس السعودي عبدالرحمن الفوزان من حادث أمني داخلي في شركة OpenAI إلى ملف اتحادي تتعامل معه السلطات الأمريكية باعتباره مسألة تمس حماية التكنولوجيا المتقدمة، بعدما اتهمته النيابة بوضع جهاز تسجيل سري داخل غرفة اجتماعات تنفيذية في مقر الشركة بسان فرانسيسكو.
لكن مع انتشار صور للفوزان مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وظهور اسمه في شركة استثمارية سعودية يعمل فيها أيضًا الأمير خالد بن بدر آل سعود، بدأ سؤال آخر يفرض نفسه: هل توجد صلة بين القضية والدوائر السعودية الرسمية؟
من هو عبدالرحمن الفوزان؟
الفوزان مهندس سعودي يبلغ 35 عامًا، عمل لدى OpenAI منذ يوليو 2025، ووصفته مصادره المهنية بأنه قائد هندسي يعمل على أنظمة الذكاء الاصطناعي التفاعلية ومنصات البيانات.
وقبل OpenAI، عمل في شركات تقنية بارزة من بينها Meta ومايكروسوفت وSAP، كما كان مهندسًا مؤسسًا في شركة Nash، ويحمل شهادة في علوم وهندسة الحاسب من معهد MIT.
وفي فبراير 2025، أعلنت شركة Raed Ventures السعودية انضمامه إليها شريكًا للاستثمار، وهو منصب حافظ عليه بالتوازي مع نشاطه التقني. وتعرض الشركة حاليًا الفوزان ضمن فريقها إلى جانب الأمير خالد بن بدر آل سعود، الذي يشغل هو الآخر منصب شريك استثماري.
كيف اكتشفت OpenAI جهاز التسجيل؟
بحسب وزارة العدل الأمريكية، عثر موظفو OpenAI في 30 سبتمبر على جهاز تسجيل صوتي مخفي موصول بمنفذ USB خلف تلفاز داخل غرفة اجتماعات تنفيذية في أحد مباني الشركة بسان فرانسيسكو.
وقالت الشكوى إن الجهاز كان مخفيًا باستخدام ورق صحي، وإن بياناته كانت مشفرة، بينما حددت الشركة تاريخ تركيبه المحتمل في 28 سبتمبر تقريبًا.
وتستخدم الغرفة، وفق الادعاء، في اجتماعات تتناول معلومات شديدة الحساسية، بينها الأبحاث المملوكة للشركة وخطط المنتجات والفرص التجارية والتقدم التقني والعلاقات الحكومية والقرارات الاستراتيجية غير المعلنة.
كاميرات المراقبة وعمليات البحث
تقول النيابة إن تسجيلات كاميرات المراقبة أظهرت الفوزان بالقرب من الغرفة في مناسبات متعددة رغم عدم امتلاكه تصريحًا لدخولها أو المشاركة في الاجتماعات التي تعقد فيها.
كما تتهمه الشكوى باستخدام أداة داخلية للبحث عن عناوين مباني OpenAI وغرف الاجتماعات وأحجامها وتقويماتها، إضافة إلى أماكن اجتماعات «القيادة والتنفيذيين» والشركاء الخارجيين.
وفي 5 أكتوبر، رصدته الكاميرات وهو يدخل غرفة الاجتماعات وينظر خلف التلفاز الذي كان الجهاز قد وُضع خلفه، بحسب رواية الادعاء.
جهاز آخر داخل حقيبته
في اليوم نفسه تقريبًا، ترك الفوزان حقيبة في غرفة أخرى داخل مقر OpenAI، وعندما فتحها أفراد الأمن عثروا على محفظته ووثائق هويته، إلى جانب جهاز تسجيل آخر مشابه للجهاز الأول، وفق وزارة العدل.
وهذه إحدى أهم القرائن التي تستند إليها القضية، لكنها لا تعني في حد ذاتها صدور حكم بالإدانة، إذ لا يزال الفوزان متهمًا ويتمتع قانونيًا بقرينة البراءة حتى انتهاء الإجراءات القضائية.
حساب مرتبط بزوجته يدخل القضية
تقول الشكوى كذلك إن حسابًا لخدمة دردشة مرتبطًا بزوجة الفوزان، وتشير السلطات إلى أنه يشترك في عدة معرّفات وخصائص مع حسابه، استخدم خلال الفترة بين 24 و30 سبتمبر للبحث في كيفية بناء أجهزة تسجيل صوتي وإخفائها والوصول إليها عن بعد.
وشملت الاستفسارات، وفق وزارة العدل، طرق إنشاء مسجل صوتي يعمل باستمرار، وتحسين الاتصال عبر Wi-Fi والاستماع المباشر وتشفير بطاقة الذاكرة، إضافة إلى استفسارات مرتبطة بخصائص تقنية محددة للجهاز الذي عثر عليه في OpenAI.
هل سرق أسرار الذكاء الاصطناعي؟
قالت OpenAI إنها لم تجد حتى الآن دليلًا على أن الفوزان وصل بصورة غير مشروعة إلى أوزان النماذج أو الشيفرة المصدرية أو بيانات العملاء أو قام بتهريبها.
وبالتالي، فإن القضية المعلنة حاليًا لا تتعلق بسرقة نماذج ChatGPT أو نسخ الشيفرة البرمجية، بل بمحاولة اعتراض محادثات شفهية داخل غرفة اجتماعات حساسة.
كما أن السلطات لم تعلن حتى الآن بصورة نهائية ما إذا كان الجهاز قد سجل بالفعل محادثات مهمة، أو ما إذا كانت أي تسجيلات قد وصلت إلى جهة أخرى.
لماذا تتعامل واشنطن معها كمسألة أمن قومي؟
رغم أن التهمة القانونية الحالية تتعلق بمحاولة اعتراض اتصالات شفهية، استخدم المسؤولون الأمريكيون لغة أكثر حدة عند وصف أهمية القضية.
وقال المدعي الأمريكي كريغ ميساكيان إن حماية الابتكار في وادي السيليكون «مسألة أمن قومي»، بينما قال مدير FBI كاش باتيل إن حماية الابتكار الأمريكي في مجال الذكاء الاصطناعي المتقدم من أولويات مكافحة التجسس.
وهذا يعكس المكانة التي أصبحت تحتلها تقنيات الذكاء الاصطناعي في الاستراتيجية الأمريكية، لكنه لا يعني أن الفوزان متهم رسميًا بالتجسس لصالح دولة أجنبية. حتى الآن، لا تظهر في القضية المعلنة تهمة العمل كعميل أجنبي أو التجسس الحكومي.
ما علاقة عبدالرحمن الفوزان بمحمد بن سلمان؟
تنتشر على مواقع التواصل صور للفوزان مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ويستند بعض المعلقين إليها للحديث عن علاقة شخصية بينهما.
ويمكن للصورة، إذا ثبتت صحتها وسياقها، أن تثبت لقاءً شخصيًا أو معرفة سابقة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات علاقة سياسية أو أمنية أو توجيه رسمي.
وتوجد قرائن أخرى على أن الفوزان لم يكن بعيدًا عن النخبة السعودية في قطاع التكنولوجيا والاستثمار. ففي 2018، تحدث معه معهد دول الخليج العربية في واشنطن ضمن تقرير عن المهنيين السعوديين في وادي السيليكون، في سياق زيارة محمد بن سلمان للمنطقة واهتمام السعودية ببناء روابط مع القطاع التقني الأمريكي.
كما أن وجوده كشريك استثماري في Raed Ventures إلى جانب الأمير خالد بن بدر آل سعود يثبت ارتباطًا مهنيًا مباشرًا بشخصية من الأسرة المالكة، لكنه لا يثبت أكثر من ذلك.
ما الذي لا نعرفه حتى الآن؟
الشكوى المنشورة تشرح بالتفصيل طريقة تركيب الجهاز والبحث عن الاجتماعات والأدوات المستخدمة، لكنها لا تقدم حتى الآن تفسيرًا معلنًا لسبب محاولة تسجيل تلك المحادثات أو الجهة التي كان من المفترض أن تستفيد منها.
ولا يوجد في المواد القضائية المتاحة ما يربط العملية بالحكومة السعودية أو بولي العهد أو بأي جهاز استخبارات أجنبي.
ولهذا فإن وصف القضية حاليًا بأنها «عملية تجسس سعودية على OpenAI» يتجاوز ما أثبتته الأدلة المنشورة.
وقد اعتُقل الفوزان في 9 أكتوبر، وظهر لأول مرة أمام المحكمة الفيدرالية في 13 أكتوبر، ومن المقرر أن تستمر الإجراءات القضائية، فيما تصل العقوبة القصوى للتهمة الحالية إلى خمس سنوات في السجن إذا أُدين.
