
تحولت منصات التواصل الاجتماعي في المغرب إلى ساحة لتمجيد إسرائيل وأمريكا والإمارات لكونهم أفضل أصدقاء المغرب فعلا وحالة من الخطاب العدواني اتجاه الأفارقة ودول مثل الجزائر ومصر وتونس وحتى العرب.
ويأتي هذا التحول ردا على الشيطنة التي تعرض لها المغاربة منذ بداية كأس أفريقيا والتي كانت بدايتها من الجزائر والتي عملت وسائل اعلامها وأبواق قطرية غير رسمية على تبني الروايات المشوهة للعرس الكروي في المغرب.
العرس الذي تحول فيما بعد إلى ساحة للتراشق المصري المغربي والذي بدأه حسام حسن، وتورط فيه المغاربة والمصريين قبل أن يجد المغاربة أنفسهم في النهائي بمواجهة ليس فقط مع السنغال ولكن أيضا مع الرأي العام في الدول المجاورة والأفريقية جنوب الصحراء.
ورغم أن هناك غضب فعلي من خسارة النهائي إلا أن الغضب الحقيقي للمغاربة كان اتجاه السلوك النيجيري الطفولي واستغلالهم الروايات الكاذبة حول شراء اللقب والرشاوي والتحكيم غير العادل وذلك للفوز باللقب عنوة وبطريقة غير لبقة.
لقد تعرض التنظيم المغربي، الذي وصفته تقارير دولية بأنه “أفضل نسخة في تاريخ البطولة” من حيث الملاعب ذات المستوى الأوروبي، البنية التحتية المتطورة، والضيافة التي فاقت التوقعات.. لحملة تشويه شرسة من قبل بعض الدول الجارة والإعلام المعادي.
الجزائر، على سبيل المثال، أطلقت حملات مكثفة تتهم المغرب بـ”الفساد” و”شراء الحكام”، رغم أن الاتحاد الأفريقي (كاف) أكد نزاهة التحكيم.
هذه الاتهامات لم تكن جديدة، فقد بدأت منذ ترشح المغرب للاستضافة، مروراً بتشكيك في حقيقة الملاعب، وصولاً إلى استفزازات داخل الملاعب، كما أن الجمهور الجزائري ونظيره السنغالي انخرطا في أعمال العنف، مما دفع الاتحاد الدولي (فيفا) إلى إدانة “السلوك غير المقبول” الذي يشوه صورة القارة.
في مواجهة هذه “الشيطنة” التي وصلت إلى وصف المغاربة بالصهاينة والكفار والمرتزقة، ارتفع صوت الخطاب القومي في المغرب بقوة غير مسبوقة حاملا شعار “المغرب أولا”.
في هذا الصدد يقول أحد المغاربة: “رسمياً دفنت وهم ‘خاوة خاوة’… تصرفاتهم ستجعلنا نبني جدارا من الإسمنت”، ودعا عشرات الآلاف من المغاربة علنا إلى رفض تنظيم أي تظاهرة أفريقية مستقبلا على الأرض المغربية.
وقد رصدنا أيضا دعوات من الجمهور المغربي للجامعة الكروية بنقل المنتخب المغرب إلى البطولات الأوروبية كما هو حال إسرائيل وتركيا أو المشاركة في بطولات أمريكا اللاتينية.
ومما قيل في هذا الصدد: “نحن لا نريد تنظيم أي تظاهرة إفريقية في بلدنا… الجهود لم تُقابل بالتقدير بل بالتشكيك والاتهامات مثل ‘التحكم في الكاف'”.
هذا الغضب مشروع تماماً، فالمغرب استثمر ملايين الدولارات وجهداً هائلاً ليُظهر القارة بأفضل صورة، لكنه واجه حسداً وكراهية بدلاً من الشكر والتقدير.
الفضيحة في النهائي أشعلت أيضاً دعوات لطرد “المهاجرين الفوضويين”، خاصة أولئك الذين ساهموا في أعمال الشغب.
مستخدمون مغاربة كتبوا: “تصرفات جمهور السنغال ولاعبيه خير دليل… لابد من جعل دخولهم إلى المغرب أمراً مستحيلاً وترحيل المقيمين به حالياً بدون نفع يعود على الدولة”.
هذه الدعوات تأتي في سياق أوسع من القلق على الأمن الوطني، بعد حوادث مثل تبول مشجع جزائري داخل الملعب أو اقتحام فنادق المنتخبات.
أما على الصعيد السياسي، فقد تحول الغضب إلى احتفاء بالحلفاء الحقيقيين للمغرب، في وقت يهاجم فيه “الأوباش” يبرز الدعم من إسرائيل، الولايات المتحدة، والإمارات كدليل على التحالفات الاستراتيجية التي تعزز مكانة المغرب.
التطبيع مع إسرائيل، الذي أثمر اتفاقيات اقتصادية وأمنية، يُشاد به الآن أكثر من أي وقت مضى، أحد المغردين كتب: “أنا كمغربي حر، إسرائيل هم إخوتي… ما سواهم لم نرى منهم إلا الشر والحسد”.
هذا الإحتفاء إيجابي تماماً، فإسرائيل شريك في التنمية والتكنولوجيا، بينما الإمارات، كعدوة للإسلام السياسي الذي يغذي الإرهاب والفوضى، تقدم دعماً اقتصادياً هائلاً إذ أنها أكبر مستثمر في المغرب ومصالحها ورؤيتها متطابقة مع المغرب.
أما الولايات المتحدة، فقد ساهمت في تعزيز القدرات العسكرية المغربية، واعترفت بمغربية الصحراء وبفضلها أصبح هذا الملف قاب قوسين من الإغلاق لصالح المغرب بعد أن ربح معركة الأرض عام 1975.
حتى المؤثرين والفنانين والمشاهير والسياسيين والمفكرين والمثقفين والصحافة المغربية المحلية انحازت إلى هذا الطرح وسط بعض الأصوات القليلة المعارضة لهذا الإنفجار المغربي.
لقد اتضح للكثير من المغيبين الذين اقتنعوا بالرواية الحمساوية الإخوانية التي تشيطن المغرب طيلة حرب غزة بأن التحالفات مع إسرائيل والولايات المتحدة والإمارات والشراكة مع أوروبا والتقارب مع الهند تدل على ذكاء الدبلوماسية المغربية وحنكتها.
غير أن هذا الإنفجار الشعبي المغربي يمكن أن يكون له تداعيات سلبية ومنها العداوة الدائمة والعنصرية والإنغلاق على الأفارقة وشعوب شمال أفريقيا.
