
كل صيف تقريباً، تعود حرائق الغابات في الجزائر كأنها موعد ثابت في التقويم الوطني، تحرق مساحات واسعة، تلتهم القرى والممتلكات، وتوقع قتلى ومصابين، ثم تبدأ الأسئلة المعتادة عن الإمكانات المتاحة، ومدى الجاهزية، وحجم الأسطول الجوي المخصص لمواجهة كارثة لم تعد مفاجئة منذ سنوات طويلة.
وفي الوقت نفسه، تفتخر الأبواق الإعلامية الجزائرية بالخردة الروسية وبمقاتلات سوخوي سو-57 تحديداً، بوصفها رمزاً للقوة والتفوق العسكري والقدرة على حماية أجواء البلاد من أعداء صنعتهم الدعاية الجزائرية لإلهاء الشعب عن مواجهة العدو الحقيقي، ألا وهو النظام الجزائري نفسه الذي استفحل فيه الفساد ويخوض حروبا عبثية.
ليست المشكلة في أن الجزائر لا تحتاج إلى جيش قوي، ولا في أن شراء المقاتلات الحديثة أمر بلا معنى بالنسبة إلى دولة بمساحة الجزائر وحدودها الطويلة ومحيطها الإقليمي المعقد، بل في الطريقة التي تحدد بها الدول أولوياتها عندما يصبح الإنفاق العسكري موضع فخر دائم، بينما تبدو الاستثمارات في الأمن المدني أقل جاذبية سياسياً وإعلامياً.
المقاتلة الحديثة تصنع صورة قوية للدولة، ويمكن عرضها في نشرات الأخبار، والحديث عن سرعتها ورادارها وصواريخها وقدرتها على التخفي، كما يمكن تقديمها للجمهور باعتبارها دليلاً على أن الجزائر قوة إقليمية يحسب لها الآخرون ألف حساب.
أما طائرة إطفاء الحرائق فلا تمنح النظام المشهد نفسه، لا توجد صواريخ تحت أجنحتها، ولا تحتاج إلى موسيقى حماسية في التقارير التلفزيونية، ولا يمكن تقديمها باعتبارها رسالة إلى المغرب أو فرنسا أو إسرائيل أو أي خصم آخر، لكنها عندما تأتي ساعة الحقيقة قد تكون أكثر أهمية للمواطن من سرب كامل من المقاتلات الحربية.
شهدت البلاد خلال السنوات الماضية موجات حرائق دامية، خصوصاً في منطقة القبائل وشمال شرق الجزائر، وسقط عشرات القتلى في بعض المواسم، كما تسببت النيران في إجلاء السكان وخسائر زراعية وبيئية واقتصادية كبيرة.
وبالتالي فإن الحديث عن الاستعداد لموسم الحرائق يجب ألا يبدأ في يوليو أو أغسطس عندما ترتفع ألسنة اللهب، بل في الشتاء السابق، عبر تعزيز أسطول الإطفاء، وصيانة الطائرات والمروحيات، وفتح المسارات داخل الغابات، وتطوير منظومات المراقبة المبكرة، وتوزيع وحدات التدخل على المناطق الأكثر خطراً.
الصيف يأتي في الموعد نفسه تقريباً، وموجات الحر معروفة، والمناطق المعرضة للخطر معروفة، وحتى الاتجاه العام للمناخ في البحر المتوسط أصبح معروفاً، ولذلك لا يمكن التعامل مع كل موسم جديد كما لو أن الدولة تواجه حدثاً استثنائياً لم يكن في الحسبان.
وتعاني دول كثيرة من الفكرة القديمة نفسها التي تختصر الأمن القومي في الجيش والسلاح والحدود، بينما أظهرت العقود الأخيرة أن المواطن قد يكون أكثر عرضة للموت بسبب حريق أو فيضان أو زلزال أو انهيار للبنية التحتية من تعرضه لقصف جوي معاد.
وتزداد أهمية هذا الأمر في منطقة البحر المتوسط، التي أصبحت واحدة من أكثر مناطق العالم تعرضاً لموجات الحر والجفاف والحرائق المرتبطة بتغير المناخ الذي ينكره الحمقى حول العالم.
لكن مثل أنظمة كثيرة انتهى بها الأمر إلى السقوط بعدما انشغلت بأعدائها أكثر من شعوبها، تركز السلطة الجزائرية على الخارج، وتمول الحركات الانفصالية، وتتحرش بجيرانها، وتكدس الأسلحة، وتشغل شعبها ليل نهار بالحرب والمؤامرة الكونية عليها، بينما تكشف حرائق الغابات والكوارث الكبرى حقيقة أكثر إحراجاً: الخطر الأكبر قد لا يأتي من وراء الحدود، بل من صناعة أعداء وهميين وتجاهل المخاطر الحقيقية.
