
تكبد سلاح الجو الروسي سلسلة من الخسائر خلال خمسة أسابيع فقط، بلغت نحو 13 طائرة عسكرية بين مقاتلات وقاذفات استراتيجية ومروحيات، في تطور يعكس تصاعد قدرة أوكرانيا على استهداف القواعد الجوية الروسية، بالتزامن مع حوادث فنية أخرجت طائرات أخرى من الخدمة دون تدخل مباشر من القوات الأوكرانية.
وبحسب تقرير نشره موقع Defence Blog المتخصص في الشؤون العسكرية، فقد شملت الخسائر سبع مقاتلات قاذفة من طراز سو-34 دُمرت خلال هجمات أوكرانية استهدفت مطارات عسكرية روسية في أكتوبر 2026، إلى جانب قاذفة استراتيجية من طراز تو-95 إم إس، ومقاتلتين سو-30 إس إم تحطمتا في حوادث طيران.
وتضمنت الخسائر المعلنة أيضًا مقاتلة شبحية من طراز سو-57، أفادت تقارير أوكرانية باحتراقها أثناء تشغيل محركها في قاعدة أختوبينسك يوم 29 أكتوبر، إضافة إلى مروحية نقل من طراز مي-8 أعلنت القوات الأوكرانية تدميرها في منطقة لوغانسك.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن روسيا تعتمد بصورة مكثفة على طائراتها الحربية لتنفيذ الضربات الجوية ضد أوكرانيا، بينما تواجه صناعتها العسكرية تحديات تتعلق بتعويض الخسائر وإنتاج الطائرات المتطورة.
أوكرانيا تدمر 7 مقاتلات سو-34 داخل القواعد الروسية
استحوذت مقاتلات سو-34 على النصيب الأكبر من الخسائر الروسية الأخيرة، بعدما تعرضت عدة قواعد جوية لهجمات باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الأوكرانية خلال أكتوبر.
وبدأت سلسلة الضربات في 4 أكتوبر، عندما استهدفت طائرات مسيّرة تابعة لجهاز الأمن الأوكراني قاعدة خانسكايا الجوية في جمهورية أديغيا الروسية، الواقعة على مسافة تقارب 500 كيلومتر من المناطق الخاضعة لسيطرة كييف.
وأفادت تقارير أوكرانية بإصابة مقاتلات من طرازي سو-34 وسو-35، إلى جانب مستودع للذخيرة داخل القاعدة.
وفي 14 و15 أكتوبر، شنت القوات الأوكرانية هجومًا بصواريخ نيبتون على قاعدة بوريسوغليبسك الجوية في مقاطعة فورونيج، وأعلنت تدمير أربع مقاتلات سو-34 وإلحاق أضرار بمقاتلتين إضافيتين.
وتواصلت الهجمات في 29 أكتوبر، عندما استهدفت صواريخ أوكرانية قاعدة مارينوفكا في مقاطعة فولغوغراد، حيث تحدثت المصادر الأوكرانية عن تدمير مقاتلتين أخريين من الطراز نفسه.
وبذلك وصلت الحصيلة التي أعلنتها المصادر الأوكرانية إلى سبع مقاتلات سو-34 مدمرة خلال شهر واحد، فضلًا عن طائرتين إضافيتين تضررتا في قاعدة بوريسوغليبسك، مع بقاء بعض تفاصيل الأضرار بحاجة إلى تحقق مستقل.
لماذا تمثل خسارة مقاتلات سو-34 ضربة مهمة لروسيا؟
تعد سو-34 واحدة من أهم الطائرات الهجومية في القوات الجوية الروسية، إذ تستخدمها موسكو بصورة واسعة لإطلاق القنابل الانزلاقية الموجهة على المواقع العسكرية الأوكرانية، خصوصًا بالقرب من خطوط المواجهة.
وتستطيع هذه المقاتلة القاذفة حمل كميات كبيرة من الذخائر وتنفيذ ضربات من مسافات تسمح لها بتقليل التعرض للدفاعات الجوية الأوكرانية، ما جعلها عنصرًا أساسيًا في العمليات الروسية خلال السنوات الأخيرة.
لكن استهداف الطائرات وهي متوقفة داخل قواعدها يغير طبيعة التحدي الذي تواجهه موسكو، إذ لم تعد خسائر الطيران مرتبطة بالمواجهات الجوية أو بالدفاعات المضادة للطائرات وحدها، بل أصبحت المطارات نفسها عرضة لهجمات بعيدة المدى.
ووفقًا لتقديرات منسوبة إلى الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، كانت روسيا تمتلك نحو 140 مقاتلة سو-34 حتى 22 أكتوبر 2026، بعدما تسلمت 22 طائرة جديدة خلال عام 2025.
وإذا صحت هذه الأرقام، فإن تدمير سبع مقاتلات خلال أكتوبر وحده يعادل نحو 32% من عدد الطائرات الجديدة التي تسلمتها روسيا في العام السابق، وهي مقارنة توضح حجم الاستنزاف، لكنها لا تعني خسارة ثلث الأسطول الروسي.
وتزداد أهمية هذا النوع من الخسائر عندما يتعلق الأمر بالطائرات التي تحتاج إلى وقت طويل للتصنيع، فضلًا عن تكلفة تدريب أطقمها وتوفير قطع الغيار والصيانة.
احتراق مقاتلة سو-57 الشبحية في قاعدة أختوبينسك
لم تقتصر الخسائر على الطائرات المستخدمة بكثافة في الحرب، إذ أفادت تقارير منشورة في 30 أكتوبر باحتراق مقاتلة روسية من طراز سو-57، التي تصنفها موسكو ضمن مقاتلات الجيل الخامس ذات الخصائص الشبحية.
ووقع الحادث المبلغ عنه يوم 29 أكتوبر داخل قاعدة أختوبينسك الجوية في مقاطعة أستراخان، التي تضم مركزًا مهمًا لاختبارات الطيران التابع لوزارة الدفاع الروسية.
ونشر مشروع أوكراني متخصص في تحليل المعلومات مفتوحة المصدر صورًا بالأقمار الصناعية قال إنها تظهر آثار حريق في موقع كانت تتمركز فيه المقاتلة، مشيرًا إلى أن النيران اندلعت أثناء تشغيل المحرك.
وفي 2 نوفمبر، أكدت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية وقوع حادث حريق مرتبط بمقاتلة سو-57 في القاعدة، وطرحت احتمال مساهمة مشكلات جودة وقود الطائرات في الحادث، دون تقديم دليل حاسم يثبت هذا السبب.
وتكتسب الحادثة أهمية خاصة بسبب محدودية أعداد مقاتلات سو-57 مقارنة بالطرازات الروسية الأقدم، وارتفاع تكاليف تطويرها وإنتاجها.
وكانت تقارير أوكرانية قد تحدثت عن إصابة مقاتلتين من الطراز نفسه في قاعدة شاغول خلال أبريل 2026، إضافة إلى خسارة مقاتلة أخرى في حادث خلال يوليو.
لكن روسيا لم تقدم تأكيدًا رسميًا مستقلًا لتدمير المقاتلة الأخيرة بالكامل، ولذلك تظل درجة الضرر الفعلي الذي لحق بها غير محسومة.
روسيا تفقد قاذفة استراتيجية ومقاتلتين في حوادث طيران
إلى جانب الضربات الأوكرانية، شهد الطيران العسكري الروسي حوادث غير قتالية تسببت في فقدان طائرات إضافية.
في 29 سبتمبر، تحطمت قاذفة استراتيجية من طراز تو-95 إم إس أثناء الإقلاع بالقرب من قاعدة أوكراينكا في مقاطعة آمور بأقصى الشرق الروسي، وسط تقارير عن مقتل ستة من أفراد طاقمها ونجاة شخص واحد.
وتستخدم روسيا هذا الطراز لإطلاق صواريخ كروز بعيدة المدى، بينها صواريخ Kh-101 التي استُخدمت في ضربات ضد أهداف داخل أوكرانيا.
وتعد خسارة القاذفات الاستراتيجية حساسة بصورة خاصة، لأن إنتاج طائرات تو-95 الجديدة توقف منذ عقود، وتعتمد موسكو على تحديث الأسطول الموجود وصيانته بدل تصنيع طائرات جديدة من الطراز نفسه.
وفي 21 أكتوبر، تحطمت مقاتلة سو-30 إس إم أثناء رحلة تدريبية في مقاطعة كالينينغراد، وتمكن الطياران من القفز خارجها.
وفي اليوم نفسه، تحدثت مصادر روسية وأوكرانية عن تحطم مقاتلة أخرى من الطراز نفسه، ما أدى إلى مقتل ضابطين ارتبط اسماهما بفريق الفرسان الروس للاستعراضات الجوية.
وتوضح هذه الحوادث أن استنزاف القوات الجوية لا يقتصر على الاشتباكات المباشرة مع أوكرانيا، بل يشمل أيضًا المخاطر التشغيلية المرتبطة بالتدريب والصيانة واستخدام المعدات العسكرية.
مروحيات أوكرانية مسيّرة تستهدف النقل الجوي الروسي
في 30 أكتوبر، أعلنت القوات الأوكرانية تدمير مروحية نقل روسية من طراز مي-8 في منطقة لوغانسك، باستخدام طائرتين مسيّرتين هجوميتين من نوع هورنت.
وبحسب الرواية الأوكرانية، تعرضت المروحية للاستهداف بعد هبوطها، في عملية تعكس التوسع المستمر في استخدام الطائرات المسيّرة لمهاجمة أهداف جوية حتى عندما تكون على الأرض.
وتستخدم روسيا مروحيات مي-8 في مهام النقل العسكري والإمداد ونقل الأفراد، إلى جانب استخدامات أخرى بحسب التجهيزات والنسخ المختلفة.
ويشكل تعرض المروحيات لهذا النوع من الهجمات تحديًا إضافيًا للقوات الروسية، خصوصًا أن الطائرات المسيّرة الصغيرة أصبحت قادرة على الوصول إلى مواقع كانت تتطلب سابقًا استخدام ذخائر أكثر تكلفة.
أكثر من 200 طائرة روسية مدمرة أو متضررة منذ بداية الحرب
تعكس الخسائر الأخيرة اتجاهًا أوسع لاستنزاف الطيران العسكري الروسي منذ بدء الغزو الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022.
وتشير بيانات مشروع أوريكس، المتخصص في توثيق خسائر المعدات العسكرية باستخدام الأدلة البصرية، إلى تسجيل أكثر من 200 طائرة روسية مدمرة أو متضررة أو مستولى عليها خلال الحرب.
وتشمل هذه الحصيلة عشرات المقاتلات القاذفة من طراز سو-34، إلى جانب طائرات سو-30 وسو-35 وأنواع أخرى من الطيران العسكري.
ويختلف منهج أوريكس عن الإحصاءات اليومية التي تعلنها هيئة الأركان الأوكرانية، إذ يشترط المشروع وجود أدلة مصورة قبل إدراج الخسارة ضمن قاعدة بياناته، ما يعني أن الأرقام لا تشمل بالضرورة جميع الطائرات التي فقدتها روسيا بالفعل.
كما أن الحصيلة المعلنة لخسائر الأسابيع الخمسة الأخيرة تجمع بين طائرات تعرضت لهجمات أوكرانية وأخرى تحطمت بسبب حوادث تشغيلية، ولا ينبغي التعامل معها جميعًا باعتبارها طائرات أسقطتها الدفاعات الجوية الأوكرانية.
هل تستطيع روسيا تعويض هذه الخسائر؟
رغم استمرار قدرة الصناعة العسكرية الروسية على إنتاج المقاتلات وتسليم طائرات جديدة للقوات الجوية، فإن تعويض الخسائر لا يرتبط بعدد الطائرات المصنعة وحده. فإنتاج مقاتلة حديثة يتطلب سلسلة طويلة من المكونات الإلكترونية والمحركات وأنظمة الرادار والتسليح، إضافة إلى الأطقم الفنية والطيارين المؤهلين لتشغيلها.
كما أن خسارة طائرة على الأرض قد تؤدي إلى فقدان ذخائر أو معدات مساندة، بينما يتطلب إصلاح القواعد الجوية المتضررة موارد إضافية لحمايتها وإعادتها إلى العمل.
وتكشف الهجمات الأوكرانية الأخيرة عن أهمية توسيع نطاق الضربات بعيدًا عن خطوط الجبهة، إذ تستطيع كييف استهداف الطائرات الروسية في قواعدها باستخدام المسيّرات والصواريخ، بدل الاعتماد على اعتراضها أثناء تنفيذ المهام القتالية.
وفي المقابل، تحتفظ روسيا بأسطول جوي كبير وقدرات إنتاج وصيانة عسكرية، ما يجعل من المبكر الاستنتاج أن خسارة نحو 13 طائرة خلال خمسة أسابيع ستغير وحدها ميزان القوى الجوية.
لكن استمرار هذه الوتيرة، خاصة إذا تركزت الخسائر في الطائرات الهجومية المتطورة والقاذفات الاستراتيجية، قد يفرض ضغوطًا إضافية على قدرة موسكو على تنفيذ العمليات الجوية والحفاظ على جاهزية أسطولها على المدى الطويل.
