حجم ديون تركيا الحقيقي وفقاعة النمو الإقتصادي

تمتعت تركيا بنمو اقتصادي قوي على مدار العشرين عامًا الماضية ومثل عدد من الدول الناشئة هذا النمو مدفوع في الواقع بالديون.

كان الدافع وراء الكثير من هذا التوسع هو الإنفاق على البنية التحتية المدفوع بالديون، وفي النهاية أدى التراكم المفرط للديون إلى تداعيات كبيرة خلقت اختلالات حادة في الإقتصاد التركي.

مع تدهور التوقعات الاقتصادية العالمية في مواجهة ارتفاع التضخم، والوباء المستمر، وعدم الإستقرار الجيوسياسي، ازدادت قوة الرياح المعاكسة التي تواجهها تركيا، نتيجة لذلك من المرجح أن تزداد حدة الأزمة الاقتصادية الحالية في البلاد.

النمو الإقتصادي في تركيا المدفوع بالبنية التحتية

بعد “عقد ضائع” في التسعينيات شرعت تركيا في فترة طويلة من النمو الإقتصادي القوي، في الواقع توسع ناتجها المحلي الإجمالي بمعدل سنوي قدره 4.6٪ من عام 2002 إلى عام 2020.

ومع ذلك لم يكن هذا التوسع ناتجًا عن محركها المعتاد وهو استهلاك الأسر ولكن من خلال الإنفاق على البنية التحتية والنفقات الرأسمالية الأخرى.

في حين أن هذا أدى إلى تعزيز النمو إلا أنه ألقى بالعديد من المشكلات طويلة الأجل على الإقتصاد التركي والمستمرة إلى يومنا هذا.

تبنت تركيا سياسات نقدية ومالية فضفاضة لتغذية توسعها الإقتصادي، وقد تحقق هذا النمو ولكن جاء معه تضخم كبير وديون مفرطة.

ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين في تركيا إلى 69.97% في أبريل 2022 وما زال يرتفع، وقد أدى ذلك إلى انخفاض القوة الشرائية للمستهلكين والقدرة التنافسية الشاملة للصناعة التركية، ناهيك عن قيمة الليرة التركية.

حجم ديون تركيا

تم تسهيل نمو الناتج المحلي الإجمالي لتركيا من خلال الاستدانة المفرطة خصوصا من البنوك الأوروبية، تضاعف إجمالي ديون القطاع غير المالي للبلاد أكثر من أربعة أضعاف، حيث ارتفع من 211 مليار دولار في عام 2000 إلى 871 مليار دولار في عام 2020.

وبالمقارنة توسع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 270٪ فقط من حيث القيمة الدولارية، ونتيجة لذلك ارتفع إجمالي عبء الدين على الاقتصاد من 77٪ من الناتج المحلي الإجمالي عام 2000 إلى 129٪ عام 2020.

علاوة على ذلك، يأتي جزء كبير من هذا الدين من مصادر خارجية: يضيف إجمالي الدين الخارجي للدولة ما يقرب من 60٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بالنسبة لبلد يعاني من عجز مزدوج فإن مسار الديون هذا لا يمكن تحمله.

بلغ الدين الخارجي لتركيا 451.2 مليار دولار في مارس 2022، مقارنة بـ 442.5 مليار دولار خلال أواخر 2021، وهذه هي الأرقام الموثوقة حتى الآن.

فقاعة النمو الاقتصادي التركي

لم يستفد إنفاق تركيا على البنية التحتية قطاعات أخرى من اقتصادها كثيرًا، لقد ضعف المحرك الإقتصادي الأساسي للبلاد، الإنفاق الأسري، فعليًا خلال 20 عامًا من التوسع، حيث انخفض من 69٪ من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من عام 2000 إلى 55٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020.

كما أصيب صافي الصادرات بالركود كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة لذلك أصبح الإقتصاد أكثر اعتمادًا على الإنفاق على البنية التحتية والديون المتزايدة.

يعتمد النموذج الإقتصادي التركي على مدى توفر الائتمان الميسر، بغض النظر عن قدرة الدولة على السداد، في خضم الآفاق العالمية القاتمة والوضع المحلي المتدهور لن يكون هذا الائتمان متاحًا بسهولة، وهذا لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخلل في الإقتصاد التركي.

مع الانخفاض السريع في الليرة التركية، أصبح الدين الخارجي للبلاد بالفعل أكثر تكلفة، ووسط تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة وأوروبا سيكون الحصول على القروض أصعب من أي وقت مضى.

ويصر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على أهمية إبقاء الفائدة منخفضة في الوقت الذي تشدد فيه الدول الأوروبية السياسة النقدية وهي الجهة التي أصدرت أغلب القروض التي حصلت عليها تركيا.

التضخم المتفشي وعبء الديون الثقيل والبطالة المرتفعة تعني أن الإقتصاد التركي يواجه حالة كبيرة من عدم الاستقرار، وفي الوقت نفسه ينخفض الإنفاق الاستهلاكي ويبدو أن القدرة التنافسية الاقتصادية للبلاد آخذة في الانخفاض بشكل أقل مع الأسواق المتقدمة وأكثر مع الأسواق الناشئة.

اتبعت الأزمات الإقتصادية السابقة في تركيا في عام 1958 وفي السبعينيات والتسعينيات نمطًا مشابهًا من التضخم المفرط، وارتفاع عجز الحساب الجاري وتآكل الليرة، تشير البيانات إلى أن التاريخ قد يعيد نفسه.

إقرأ أيضا:

أسباب ارتفاع أسعار العقارات والإيجار عالميا (تركيا مثلا)

دوافع التطبيع بين سوريا الأسد وتركيا أردوغان

الطريق إلى كارثة افلاس تركيا قبل عام 2025

توقعات: مستقبل الليرة التركية 2022 – 2023

لماذا الهجرة إلى تركيا للعمل قرار خاطئ وستندم عليه؟