
رغم خسارة الحزب الجمهوري السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في الانتخابات النصفية الأمريكية، لا يزال الرئيس دونالد ترامب يحتفظ بصلاحيات عسكرية واسعة تتيح له إصدار أوامر بتنفيذ عمليات ضد إيران دون الحصول بالضرورة على موافقة مسبقة من الكونغرس، في ظل نظام دستوري يمنح الرئيس سلطة قيادة القوات المسلحة، لكنه يترك للسلطة التشريعية صلاحية إعلان الحرب والرقابة على العمليات العسكرية وتمويلها.
وجاء فوز الديمقراطيين في انتخابات 3 نوفمبر 2026 وسط استياء شعبي من الحرب الأمريكية مع إيران وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، ما يطرح تساؤلات بشأن قدرة الأغلبية الجديدة على تقييد قرارات ترامب العسكرية خلال العامين الأخيرين من ولايته.
لكن انتقال السيطرة على الكونغرس لا يعني أن الديمقراطيين يستطيعون منع الرئيس تلقائيًا من إصدار أوامر بشن ضربات جديدة، خصوصًا أن صلاحيات القيادة العسكرية لا تتغير بتغير الأغلبية الحزبية في السلطة التشريعية.
هل يحتاج ترامب إلى موافقة الكونغرس لضرب إيران؟
بموجب المادة الثانية من الدستور الأمريكي، يشغل الرئيس منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما يمنحه سلطة إدارة العمليات العسكرية وإصدار الأوامر للقوات الأمريكية.
وفي المقابل، تمنح المادة الأولى من الدستور الكونغرس صلاحية إعلان الحرب وتنظيم القوات المسلحة وتخصيص الأموال اللازمة لتمويلها.
وينشأ عن هذا التوزيع للسلطات خلاف قانوني مستمر منذ عقود بشأن حدود قدرة الرئيس على بدء عمليات عسكرية دون تفويض تشريعي مسبق.
وتتبنى الإدارات الأمريكية المتعاقبة تفسيرًا يسمح للرئيس بتنفيذ بعض العمليات العسكرية المحدودة اعتمادًا على صلاحياته الدستورية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بحماية القوات الأمريكية أو المصالح القومية.
لكن هذه السلطة ليست مطلقة، إذ لا يمنح الدستور الرئيس تفويضًا عامًا لخوض حرب واسعة ومستمرة دون قيود، كما أن مشروعية أي عملية تعتمد على طبيعتها وأهدافها ومدتها والأساس القانوني المستخدم لتبريرها.
وبالتالي، قد يتمكن ترامب من إصدار أوامر بتنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية دون انتظار تصويت مسبق من الكونغرس، لكن ذلك لا يعني أن كل عملية محتملة ستكون قانونية تلقائيًا.
قانون صلاحيات الحرب يمنح الكونغرس حق التدخل
في عام 1973، أقر الكونغرس الأمريكي قانون صلاحيات الحرب (War Powers Resolution)، في محاولة للحد من قدرة الرؤساء على إدخال البلاد في صراعات عسكرية طويلة دون رقابة تشريعية، خصوصًا بعد تجربة حرب فيتنام.
ويلزم القانون الرئيس بالتشاور مع الكونغرس كلما أمكن قبل إدخال القوات الأمريكية في أعمال عدائية، ثم تقديم تقرير مكتوب خلال 48 ساعة في الحالات المحددة قانونًا.
ويتعين أن يتضمن التقرير الظروف التي استدعت استخدام القوات المسلحة، والأساس الدستوري والتشريعي للعملية، إلى جانب تقدير نطاق المشاركة العسكرية ومدتها.
كما ينص القانون على إنهاء العمليات المشمولة بهذه الأحكام خلال 60 يومًا، ما لم يعلن الكونغرس الحرب أو يمنح تفويضًا محددًا أو يمدد المهلة قانونيًا، مع وجود استثناء يتعلق بتعذر انعقاد الكونغرس نتيجة هجوم مسلح على الولايات المتحدة.
ويمكن تمديد المهلة لمدة لا تتجاوز 30 يومًا إضافيًا إذا أكد الرئيس كتابيًا أن الضرورة العسكرية تفرض استمرار العمليات لضمان سلامة القوات أثناء انسحابها.
لكن هذه المدد لا تعني أن القانون يمنح الرئيس إذنًا مسبقًا بخوض أي حرب لمدة 60 أو 90 يومًا، كما أن تنفيذ ضربات جديدة ضمن نزاع قائم لا يؤدي بالضرورة إلى بدء مهلة قانونية جديدة.
ماذا يستطيع الديمقراطيون فعله لمنع الحرب مع إيران؟
بعد سيطرتهم على مجلسي الكونغرس، سيتمكن الديمقراطيون من استخدام أدوات تشريعية ورقابية متعددة لمراجعة القرارات العسكرية لإدارة ترامب.
وتشمل هذه الأدوات عقد جلسات استماع مع مسؤولي وزارة الدفاع والخارجية، والمطالبة بالكشف عن الأسس القانونية للعمليات العسكرية، إلى جانب تقديم تشريعات تستهدف تقييد استخدام القوات المسلحة أو تمويل عمليات معينة.
ويمتلك الكونغرس أيضًا سلطة تخصيص الميزانيات العسكرية، وهي أداة مهمة يمكن استخدامها للتأثير على استمرار العمليات، وإن كانت القيود التمويلية تواجه تحديات سياسية وقانونية وعملية.
لكن تمرير تشريع يقيد الرئيس لا يعني بالضرورة دخوله حيز التنفيذ، إذ يستطيع ترامب استخدام حق النقض الرئاسي، ما يستدعي أغلبية الثلثين في مجلسي النواب والشيوخ لتجاوز الفيتو.
كما أن نتائج الانتخابات النصفية لا تؤدي إلى انتقال فوري للسلطة التشريعية، لأن الأعضاء المنتخبين سيباشرون مهامهم مع انعقاد الكونغرس الجديد في 3 يناير 2027.
وحتى ذلك الموعد، يستمر الكونغرس الحالي في ممارسة صلاحياته، رغم التحول السياسي الذي أظهرته صناديق الاقتراع.
هل تغير خسارة الكونغرس مسار الحرب الأمريكية مع إيران؟
تأتي هذه التطورات بعد أشهر من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في فبراير 2026، وما تبعها من اضطرابات في أسواق الطاقة وحركة الملاحة في مضيق هرمز.
وأصبحت الحرب واحدة من القضايا الرئيسية التي ساهمت في خسارة الجمهوريين، بعدما تزايدت الانتقادات الداخلية لتكاليفها الاقتصادية وغياب تسوية سياسية تنهي المواجهة.
ورغم تراجع نفوذه داخل الكونغرس، لا يزال ترامب يمتلك خيارات عسكرية متعددة، من بينها إصدار أوامر بضربات محدودة أو الإبقاء على بعض الإجراءات العسكرية القائمة.
لكن استمرار الحرب منذ أشهر يطرح أسئلة قانونية مختلفة عن تلك المتعلقة ببدء عملية عسكرية جديدة، خصوصًا بشأن التفويض الذي تستند إليه الإدارة ومدى انطباق قيود قانون صلاحيات الحرب على العمليات الجارية.
كما أن السيطرة الديمقراطية على الكونغرس ستمنح المعارضة قدرة أكبر على مساءلة الإدارة بشأن أهداف الحرب وتكاليفها ومدتها، حتى لو لم تتمكن من إيقاف جميع العمليات بصورة فورية.
وهكذا، فإن خسارة الجمهوريين للانتخابات النصفية لا تسحب من ترامب سلطته بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكنها تضعه أمام بيئة تشريعية أكثر صعوبة، قد تجعل توسيع الحرب ضد إيران أو استمرارها دون تسوية سياسية أكثر تعقيدًا.
والفارق الأساسي أن الرئيس يستطيع اتخاذ بعض القرارات العسكرية دون موافقة مسبقة، لكن ذلك لا يعفيه من القيود الدستورية والقانونية، ولا يلغي سلطة الكونغرس في مساءلته ومحاولة تقييد العمليات وتمويلها.
