
أصبحت الهند، التي تعد حاليًا خامس أكبر اقتصاد في العالم، الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان على وجه الأرض، وقد تجاوزت الصين وهي تتجه لتصبح مصنع العالم الجديد.
بدأت الشركات العالمية والأمريكية البحث عن بدائل للتصنيع في الصين منذ اندلاع الحرب التجارية الأمريكية الصينية، ثم تسارع الأمر بعد وباء كورونا.
واليوم تقدم الهند نفسها على أنها القوة الصاعدة التي تطمح للصدارة في آسيان لكن سيكون عليها أن تتجاوز اليابان ثم الصين وكلا البلدين حصلا على الدعم الأمريكي من قبل للتحول إلى قوى اقتصادية عالمية.
اليوم تحتاج الهند إلى هذا الدعم ومن الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية تدعم حليفتها الأسيوية، وهناك أيضا الدعم الإماراتي المتمثل في استثمارات تتجاوز 50 مليار دولار تتجه أبوظبي لضخها في الصناعات والقطاعات المختلفة بالهند.
لكن الدعم الأكبر يتمثل حقيقة في الممر الاقتصادي والذي سيربط الهند بأوروبا ويمر عبر السعودية والإمارات ومن ثم الأردن وإسرائيل وستستفيد منه دول المنطقة.
الممر سيسرع من نقل السلع بين الهند وأوروبا وسيقلل التكاليف وبالتالي ستصبح السلع الهندية مغرية أكثر في الأسواق الدولية وعليها اقبال أكبر، وفي النهاية ستضطر الشركات في السوق الأوروبية المشتركة إلى بناء مصانع لها في الهند ونقل عملياتها من الصين.
يكمن جوهر البراعة الاقتصادية للهند في قوتها العاملة الوفيرة والشبابية، وهو تناقض صارخ مع العديد من الدول التي تتصارع مع شيخوخة السكان وعدم تطابق المهارات.
لقد كانت القوى العاملة في الهند حجر الزاوية في تحويل البلاد إلى لاعب اقتصادي عالمي مهم، فيما تفقد الصين هذه الميزة حيث تجاوزت معدلات الوفيات معدلات الإنجاب وهي تعاني من احتمال بداية انخفاض عدد سكانها.
على مدى السنوات الخمس الماضية، حولت الهند بشكل ملحوظ العديد من وظائف التصنيع من الصين، التي كانت الوجهة الافتراضية لمثل هذه الصناعات.
ويأتي هذا التحول في وقت حيث يتباطأ النمو الاقتصادي السريع في الصين، وهو ما من شأنه أن يضع الهند باعتبارها “ورشة العالم” الجديدة.
ويتوافق هذا بشكل جيد مع هدف الحكومة الهندية الطموح المتمثل في تحقيق اقتصاد بقيمة 5 تريليون دولار بحلول عام 2025.
ولكن على الرغم من هذه الطموحات والنجاحات، لا تزال الهند متخلفة عن الصين من حيث نصيب الفرد من الناتج، وعلى الرغم من أن الرحلة الإقتصادية في الهند مثيرة للإعجاب، إلا أنها لا تزال بعيدة عن الاكتمال.
إن النجاحات الاقتصادية التي حققتها كل من الهند والصين لديها القدرة على إحداث خير إنساني كبير، وخاصة في انتشال الملايين من براثن الفقر.
بدأ التحرير الاقتصادي في الهند في أوائل التسعينيات، في نفس الوقت تقريباً الذي بدأت فيه الصين، في أعقاب أزمة ديون حادة وخطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي.
وكان تبني إجماع واشنطن بمثابة تحول كبير عن الاقتصاد الهجين السابق في الهند، مزيج من التخطيط المركزي على النمط السوفييتي واقتصاديات السوق المتأثرة ببريطانيا.
وكان التركيز على فتح الاقتصاد أمام التجارة والأعمال التجارية الخاصة، وتقليص سياسات الحماية، وتفكيك النظام المعقد للتراخيص والقيود التي خنقت ريادة الأعمال.
ورغم أن الحمائية لها مزاياها في حماية الصناعات المحلية، فإنها تؤدي في كثير من الأحيان إلى زيادة تكاليف المستهلك وانخفاض القدرة التنافسية للصادرات.
كانت رحلة الهند من اقتصاد شديد التنظيم إلى اقتصاد يحتضن التجارة الحرة وتقليل التدخل الحكومي في الأعمال التجارية محورية في نموها الاقتصادي.
منذ عام 2000، كانت الهند تسير على مسار نمو قوي، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى إزالة هذه القيود الاقتصادية.
وقد جعل العدد الكبير من السكان الناطقين باللغة الإنجليزية في البلاد وجهة جذابة للأعمال التجارية الدولية، والانتقال من مراكز الاتصال البسيطة إلى الخدمات المعقدة مثل الخدمات المحاسبية والهندسية والقانونية.
وفي ظل السكان الشباب المهرة والقدرة على التحول بسلاسة إلى الصناعات الموجهة نحو الخدمات، فمن الممكن أن تصبح الهند قوة اقتصادية عظمى رائدة.
ويكمن المفتاح في ضمان بيئة مواتية للشركات والمستثمرين مع تمكين السكان من المشاركة بنشاط والاستفادة من النمو الاقتصادي.
وأخيرا، تحتل الهند، التي يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي الحالي 3.5 تريليون دولار، مرتبة مبهرة من حيث الحجم والنمو والإمكانات الصناعية، ومع ذلك، فإنها تواجه تحديات كبيرة من حيث الاستقرار والثقة ونصيب الفرد من الناتج.
إن قصة الهند لا تتعلق بالأرقام فحسب، بل يتعلق الأمر بالقدرة على إحداث تحول في حياة سكانها الذين يزيد عددهم على مليار نسمة، وبالتالي إحداث تأثير عميق على الاقتصاد العالمي.
إقرأ أيضا:
مقارنة بين أداء البورصة الهندية والأسهم الأمريكية
حماس تعطل الممر الإقتصادي الهندي لصالح ايران وروسيا
تجربة وول مارت مع الإستيراد من الهند بدلا من الصين
هل تنضم تركيا إلى الممر الإقتصادي الجديد بين الهند وأوروبا؟
هل ينجح الممر الإقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا؟
دور اسرائيل في الممر الإقتصادي الهندي السعودي الأوروبي
الممر الإقتصادي الجديد يحول الهند إلى مصنع العالم بدلا من الصين
