من حق أمريكا غزو فنزويلا حسب منطق بوتين في أوكرانيا

لطالما حذرنا سابقا من أن غزو روسيا لأوكرانيا هو بمثابة ضربة للسلام العالمي وبداية لفوضى عالمية عسكرية حيث ستتجه فيها القوى الكبرى والإقليمية لغزو الأضعف وهذا ممكن مجددا مع تصاعد احتمال غزو فنزويلا من قبل أمريكا.

ورغم أن الصراع الأمريكي الفنزويلي مختلف في تفاصيل كثيرة عن الغزو الروسي لأوكرانيا إلا أنه يقوم على نفس المنطق، وهو السعي لإسقاط النظام في الدولة الأخرى.

أراد بوتين إسقاط النظام الديمقراطي الناشئ في أوكرانيا لأن الحكومة تتطلع إلى الغرب، ويريد ترامب إسقاط النظام الديكتاتوري في فنزويلا الذي يعاني فعلا من معارضة واسعة وتراجع الشرعية الشعبية.

في الحالتين لدينا قوة كبرى تعتبر أن من حقها أن تعيد تشكيل أنظمة الحكم على حدود نفوذها، طالما أن الإعلام قادر على تسويق القصة.

كان بوتين يقول إن “النازيين” في كييف يُعذبون الروس، وأن هناك “إبادة جماعية” في دونباس، وأن الغرب يُحاصر روسيا، لذا كانت الضربة الوقائية ضرورية لإعادة الاستقرار وإنقاذ الروس من الفناء.

لم يقدم للعالم حربا توسعية بل “عملية عسكرية خاصة”، ولم يعترف بأنه يدفن دولة مستقلة، بل زعم أنه يصحح “خطأ تاريخيا” ويحمي الأمن القومي.

حسناً، أيها المؤيدون لهذا الهراء، طبقوا المنطق نفسه اليوم على فنزويلا، إذ أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في رئاسته الثانية التي بدأت في يناير 2025، لم يتردد في إعادة إحياء شبح “الحرب على المخدرات”، لكنه هذه المرة يُحولها إلى حملة عسكرية مفتوحة ضد نظام نيكولاس مادورو، الذي يغرق – بحسب الرواية الأمريكية – الولايات المتحدة بالمخدرات التي يبيعها نظامه الغارق في الفساد وانهيار مداخيل النفط.

في الحالة الروسية، لم يكن هناك أي دليل جدي على “إبادة جماعية” يتعرض لها الروس في أوكرانيا، ولا على تهديد وشيك يبرر تدمير دولة بأكملها.

أما في الحالة الأمريكية الفنزويلية فلدينا على الأقل معطيات واقعية أكثر صلابة: نظام استبدادي، اقتصاد منهار، شعب فقير، واتهامات موثقة لمسؤولين كبار في كاراكاس بالتورط في تهريب الكوكايين وتبييض الأموال، حتى تحولت فنزويلا إلى عقدة أساسية في خريطة تجارة المخدرات بأمريكا اللاتينية.

منطقيا، لو كان مجرد “إحساس روسيا بالخطر” كافيا لتبرير غزو أوكرانيا، فكيف يمكن إنكار أن واشنطن تملك “خطرًا” ملموسًا أكثر وضوحًا لتبرير غزو فنزويلا؟

الحقيقة أن مبررات الولايات المتحدة في هذه القصة – من زاوية منطق القوة فقط – أقوى من نظيرتها الروسية، لأن أوكرانيا لم تكن ترسل المخدرات لروسيا، ولم تكن دولة مافيا أو كارتل، بل كانت في طور تطوير نظامها الديمقراطي الناشئ ومكافحة الفساد كي تنضم إلى الإتحاد الأوروبي.

كان المجتمع الأوكراني يصوّت ويحتج ويتجادل داخل المجال السياسي، بينما كانت الدبابات الروسية تقتحم الحدود بحجة “حماية الروس”.

أما في حالة فنزويلا فإن الأمر مختلف: نظام ديكتاتوري لا يحبه معظم الشعب الفنزويلي الذي تدهورت أوضاعه المالية حيث أصبح معظم الشعب فقيرا، وانفجرت الهجرة الجماعية إلى دول الجوار، فيما تقارير دولية عديدة تتحدث عن ضلوع مسؤولين عسكريين وسياسيين في شبكات “كارتل دي لوس سوليس”، وهي شبكات عابرة للحدود تنقل الكوكايين من كولومبيا نحو الشمال مستفيدة من الفوضى الفنزويلية.

نظام مادورو يشبه في هذا الجانب نظام بشار الأسد في سوريا قبل سقوطه: دولة موازية من المافيات، اقتصاد ظل، وشبكات تهريب مخدرات ومعابر غير شرعية تموّل بقاء السلطة، بينما يتم تسويق كل هذا شعبويا تحت عناوين “الإشتراكية” و”مقاومة الإمبريالية”.

وحين تحاصر العقوبات صادرات النفط وتنهار العملة المحلية، يصبح الكوكايين والدولار الأسود والأموال القذرة أحد شرايين النظام، على حساب شعوب أخرى تدفع ثمن الإدمان والجريمة في الشوارع.

بدأت إدارة ترامب هجومها حاليا على فنزويلا بالحصار الجوي وبتصعيد غير مسبوق في العمليات البحرية والعسكرية في البحر الكاريبي، حيث يتم تفجير قوارب تهريب يقال إنها محملة بالمخدرات المتجهة إلى أمريكا الشمالية.

الرئيس الأمريكي لم يكتف بالعقوبات الاقتصادية، بل منح نظيره الفنزويلي فرصة “النجاة” الشخصية ألا وهي الخروج من فنزويلا وتسليم الحكم للشعب الذي يعاني من نظامه المستبد، على الطريقة الكلاسيكية لـ”ارحل وستُنقذ”.

إنها نسخة أمريكية من خطاب بوتين حين طالب الجيش الأوكراني بالانقلاب على حكومته في بداية الغزو، مع اختلاف في اللغة والشعارات ليس أكثر.

من الناحية النظرية البحتة، لو أخذنا منطق بوتين كما هو وطبقناه على هذه الحالة، لوجدنا أننا أمام نسخة مكررة من “الضربة الوقائية”: واشنطن تشعر بأن حدودها الجنوبية مهددة بسبب المخدرات والعصابات والفوضى، وترى أن فنزويلا تحولت إلى مصدر تهديد للأمن القومي الأمريكي، وأن ما يجري في كاراكاس ليس “شأنًا داخليًا” بل قضية حدود وأمن ومجتمع

أليس هذا ما قيل عن أوكرانيا؟ دولة “اختطفها الغرب” وتحولت إلى منصة متقدمة للناتو تهدد الأمن القومي الروسي؟ إذا قبلت هذا الكلام من موسكو، فلا سبيل منطقيا لرفضه من واشنطن عندما تعلق الأمر بغزو فنزويلا.